الصفحة 333 من 3812

والدليل القاطع على أن هذه العقيدة حقيقة من عند الله ; هو هذا الذي أثبته الواقع التاريخي من بلوغ البشرية باستقرار حقيقة الإيمان في حياتها ما لم تبلغه قط بوسيلة أخرى من صنع البشر:لا علم , ولا فلسفة , ولا فن , ولا نظام من النظم . وأنها حين فقدت قيادة المؤمنين الحقيقيين لم ينفعها شيء من ذلك كله ; بل انحدرت قيمها وموازينها وانسانيتها , كما غرقت في الشقاء النفسي والحيرة الفكرية والأمراض العصبية , على الرغم من تقدمها الحضاري في سائر الميادين , وعلى الرغم من توافر عوامل الراحة البدنية والمتاع العقلي , وأسباب السعادة المادية بجملتها . ولكنها لم تنل السعادة والطمأنينة والراحة الإنسانية أبدا . ولم يرتفع تصورها للحياة قط كما ارتفع في ظل الحقيقة الإيمانية , ولم تتوثق صلتها بالوجود قط كما توثقت في ظل هذه العقيدة , ولم تشعر بكرامة"النفس الإنسانية"قط كما شعرت بها في تلك الفترة التي استقرت فيها تلك الحقيقة . والدراسة الواعية للتصور الإسلامي لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني تنتهي حتما إلى هذه النتيجة .

وهذا كله يستحق - بدون تردد - كل ما يبذله المؤمنون من جهود مضنية , ومن تضحيات نبيلة , لإقرار حقيقة الإيمان بالله في الأرض . وإقامة قلوب تنطوي على قبس من نور الله , وتتصل بروح الله . وإقامة حياة إنسانية يتمثل فيها منهج الله للحياة . وترتفع فيها تصورات البشر وأخلاقهم , كما يرتفع فيها واقع حياتهم إلى ذلك المستوى الرفيع , الذي شهدته البشرية واقعا في فترة من فترات التاريخ .

وستعرض البشرية كما أعرضت عن دعوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم الكرام . وستذهب مع القيادات الضالة المضلة الممعنة في الضلال . وستعذب الدعاة إلى الحق أنواعا مختلفة من العذاب , وتنكل بهم ألوانا شتى من النكال . كما ألقت إبراهيم في النار , ونشرت غيره بالمنشار , وسخرت واستهزأت بالرسل والأنبياء على مدار التاريخ .

ولكن الدعوة إلى الله لا بد أن تمضي في طريقها كما أراد الله . لأن الحصيلة تستحق الجهود المضنية والتضحيات النبيلة , ولو صغرت فانحصرت في قلب واحد ينطوي على قبس من نور الله , ويتصل بروح الله !

إن هذا الموكب المتصل من الرسل والرسالات من عهد نوح - عليه السلام - إلى عهد محمد - عليه أزكى السلام - لينبئ عن استقرار إرادة الله على اطراد الدعوة إلى حقيقة الإيمان الكبيرة , وعلى قيمة هذه الدعوة وقيمة الحصيلة . وأقل نسبة لهذه الحصيلة هي أن تستقر حقيقة الإيمان في قلوب الدعاة أنفسهم حتى يلاقوا الموت وما هو أشد من الموت في سبيلها ولا ينكصون عنها . وبهذا يرتفعون على الأرض كلها وينطلقون منجواذبها , ويتحررون من ربقتها . وهذا وحده كسب كبير , أكبر من الجهد المرير . كسب للدعاة . وكسب للإنسانية التي تشرف بهذا الصنف منها وتكرم . وتستحق أن يسجد الله الملائكة لهذا الكائن , الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء . ولكنه يتهيأ - بجهده هو ومحاولته وتضحيته - لاستقبال قبس من نور الله . كما يتهيأ لأن ينهض - وهو الضعيف العاجز - بتحقيق قدر الله في الأرض , وتحقيق منهجه في الحياة . ويبلغ من الطلاقة والتحرر الروحي أن يضحي بالحياة , ويتحمل من المشقة ما هو أكبر من ضياع الحياة , لينجو بعقيدته وينهض بواجبه في محاولة إقرارها في حياة الآخرين , وتحقيق السعادة لهم والتحرر والارتفاع . وحين يتحقق لروح الإنسان هذا القدر من التحرر والانطلاق , يهون الجهد , وتهون المشقة , وتهون التضحية , ويتوارى هذا كله , لتبرز تلك الحصيلة الضخمة التي ترجح الأرض والسماء في ميزان الله . . . (1)

وجوب الصبر لله

ويوجهه أخيرا إلى الصبر . الصبر لربه: (ولربك فاصبر) . . وهي الوصية التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة أو تثبيت . والصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة . معركة الدعوة إلى الله . المعركة المزدوجة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب ; ومع أعداء الدعوة الذين تقودهم شياطين الشهوات وتدفعهم شياطين الأهواء ! وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله , ويتجه به إليه احتسابا عنده وحده . (2)

زاد الداعية

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا(23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) [الإنسان/23-26] . .

وفي هذه الآيات الأربع تكمن حقيقة كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية . حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى الله طويلا , وأن يتعمقوها تعمقا كاملا , وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 478)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت