الصفحة 335 من 3812

إن الأمور مرهونة بقدر الله . وهو يمهل الباطل , ويملي للشر , ويطيل أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص . . كل أولئك لحكمة يعلمها , يجري بها قدره , وينفذ بها حكمه . . (فاصبر لحكم ربك) . . حتى يجيء موعده المرسوم . . اصبر على الأذى والفتنة . واصبر على الباطل يغلب , والشر يتنفج . ثم اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك . اصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق على حساب العقيدة: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) . . فهم لا يدعونك إلى طاعة ولا إلى بر ولا إلى خير . فهم آثمون كفار . يدعونك إلى شيء من الإثم والكفر إذن حين يدعونك إلى الالتقاء بهم في منتصف الطريق ! وحين يعرضون عليك ما يظنونه يرضيك ويغريك ! وقد كانوا يدعونه باسم شهوة السلطان , وباسم شهوة المال , وباسم شهوة الجسد . فيعرضون عليه مناصب الرياسة فيهم والثراء , حتى يكون أغنى من أغناهم , كما يعرضون عليه الحسان الفاتنات , حيث كان عتبة بن ربيعة يقول له:"ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ابنتي , فإني من أجمل قريش بنات !". . كل الشهوات التي يعرضها أصحاب الباطل لشراء الدعاة في كل أرض وفي كل جيل !

(فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا) . . فإنه لا لقاء بينك وبينهم ; ولا يمكن أن تقام قنطرة للعبور عليها فوق الهوة الواسعة التي تفصل منهجك عن منهجهم , وتصورك للوجود كله عن تصورهم , وحقك عن باطلهم , وإيمانك عن كفرهم , ونورك عن ظلماتهم , ومعرفتك بالحق عن جاهليتهم !

اصبر ولو طال الأمد , واشتدت الفتنة وقوي الإغراء , وامتد الطريق . .

ولكن الصبر شاق , ولا بد من الزاد والمدد المعين:

(واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا , ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) .

هذا هو الزاد . اذكر اسم ربك في الصباح والمساء , واسجد له بالليل وسبحه طويلا . . إنه الاتصال بالمصدر الذي نزل عليك القرآن , وكلفك الدعوة , هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد . . الاتصال به ذكرا وعبادة ودعاء وتسبيحا . . ليلا طويلا . . فالطريق طويل , والعبء ثقيل . ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير . وهو هناك , حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء , وفي تطلع وفي أنس , تفيض منه الراحة على التعب والضنى , وتفيض منه القوة على الضعف والقلة . وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل , وترى عظمة التكليف , وضخامة الأمانة . فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق !

إن الله رحيم , كلف عبده الدعوة , ونزل عليه القرآن , وعرف متاعب العبء , وأشواك الطريق . فلم يدع نبيه صلى الله عليه وسلم بلا عون أو مدد . وهذا هو المدد الذي يعلم - سبحانه - أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في ذلك الطريق الشائك . . وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل . فهي دعوة واحدة . ملابساتها واحدة . وموقف الباطل منها واحد , وأسباب هذا الموقف واحدة . ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله . فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق .

والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى صلى الله عليه وسلم هي أن التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله . فهو صاحبها . وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار . فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم , أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على الباطل . فهما نهجان مختلفان , وطريقان لا يلتقيان . فأما حين يغلب الباطل بقوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم , لحكمة يراها الله . . فالصبر حتى يأتي الله بحكمه . والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح - ليلا طويلا - هي الزاد المضمون لهذا الطريق

.. إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رواد هذا الطريق . . (1)

مبغض الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأبتر

(إن شانئك هو الأبتر) . .

في الآية الأولى قرر أنه ليس أبتر بل هو صاحب الكوثر . وفي هذه الآية يرد الكيد إلى كائديه , ويؤكد - سبحانه - أن الأبتر ليس هو محمد , إنما هم شانئوه وكارهوه .

ولقد صدق فيهم وعيد الله . فقد انقطع ذكرهم وانطوى . بينما امتد ذكر محمد وعلا . ونحن نشهد اليوم مصداق هذا القول الكريم , في صورة باهرة واسعة المدى كما لم يشهدوه سامعوه الأولون !

إن الإيمان والحق والخير لا يمكن أن يكون أبتر . فهو ممتد الفروع عميق الجذور . وإنما الكفر والباطل والشر هو الأبتر مهما ترعرع وزها وتجبر . .

إن مقاييس الله غير مقاييس البشر . ولكن البشر ينخدعون ويغترون فيحسبون مقاييسهم هي التي تقرر حقائق الأمور ! وأمامنا هذا المثل الناطق الخالد . . فأين الذين كانوا يقولون عن محمد صلى الله عليه وسلم قولتهم اللئيمة , وينالون بها من قلوب الجماهير , ويحسبون حينئذ أنهم قد قضوا على محمد وقطعوا عليه الطريق ? أين هم ? وأين ذكراهم , وأين آثارهم ? إلى جوار الكوثر من كل شيء , ذلك الذي أوتيه من كانوا يقولون عنه:الأبتر ?!

إن الدعوة إلى الله والحق والخير لا يمكن أن تكون بتراء ولا أن يكون صاحبها أبتر , وكيف وهي موصولة بالله الحي الباقي الأزلي الخالد ? إنما يبتر الكفر والباطل والشر ويبتر أهله , مهما بدا في لحظة من اللحظات أنه طويل الأجل ممتد الجذور . .

وصدق الله العظيم . وكذب الكائدون الماكرون . (2)

عموم الدعوة إلى الله

(1) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 5)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت