والآن آن لك- يا ابنتي- أن تفرقي بقوة بين من يريدك مستترة فتُعزي، وممتنعة فتطلبي، وبين من يريدك معروضة فتُهاني، وكل معروض مهان، قد آن لك أن تتشبثي بحجابك وسترك وعفافك وطهرك امتثالًا لقول ربك - عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِّزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59] . لا تستمعي للناعقين، الذين يغمزون ويلمزون، فمازالوا بأختك في أماكن أخر حتى نزعوا عنها حجابها، فهل اكتفوا بهذا؟ لا، بل نزلوا إلى ثوبها، حتى قصرت من هنا أصبعًا ومن هناك أصبعًا، إلى أن ألقوا بها على شاطئ البحر عارية تمامًا من كل شيء، إلا الشيء الذي يقبح مرآه، ويجمل ستره، ثم تركوها تمشي في الشارع، كاسية عارية، مائلة مميلة، لا يكلف أحدهم نيل إحداهن (من هذا الكائن المشوه) إلا أن يشير بيده، فتترامى عليه، لا يحجزها دين، ولا يمنعها عرف، ولا يمسكها حياء، قد هانت حتى صار عرضها يبذل في ملء بطنها وستر جسدها، ويل لها من النار، أين هي من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: « صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» رواه مسلم برقم (3971) .
ولكن القوم خدعوها قالوا لها: هذه هي الحضارة والمدنية، فصدقتهم، وكذبوا والله، أيكون الطهر عيبًا، والعفاف عارًا، والخير شرًا، والنور ظلامًا؟ وما لنا وللغرب، ليذهب الغرب بنسائه إلى الجحيم، أما كفانا تفكيرًا برؤوس غيرنا؟ أما كفانا نظرًا بعيون عدونا؟ أما كفانا تقليدًا كتقليد القردة؟ ليصنع بنات الغرب ما شئن وشاء لهن رجالهن، فما لنا ولهم، وتكوني أنت - يا ابنتي- كما نريد نحن ويريد لك الله.
فليس في الدنيا أكرم منك وأطهر، ما تمسكت بدينك، وحافظت على حجابك، وتخلقت بأخلاقك الحسنة، فمن نساء الغرب من تبارز الرجال صنعتهم الثقيلة، إنها ممتهنة في عقر دارها، تربح المال من لديها جمال، فإن ذهب جمالها رموها كما ترمى ليمونة امتص ماؤها.
لكننا قلدناهم، تركنا الحسن، وأخذنا القبيح، من تمثيل، وغناء؟، وفن، ورقص، كأننا ما خلقنا إلا للغناء والطرب والفن والرقص.
ولابد من شكوى إلى ذي مروءة يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وأخيرًا: أهمس إليك- يا ابنتي - بكلمة لابد منها بعد أن خبرت الذئب وأفعاله، أقول لك: أنت الآن صبية جميلة، وإلى الخامسة والعشرين تَطلبين وبعد ذلك تُطلبين فإن طرق داركم من ترضين دينه وخلقه، فلا تترددي في قبوله ولا تتمنعي ولا تسوفي، فإن الجمال والصبا لا يدومان، فإما المرض، وإما القبر، نعم القبر الذي لابد لكل حي منه، القبر، يا ابنتي الذي يفد إليه كل يوم وفود البشر محمولين على أيدي آبائهم وأمهاتهم وأحبابهم، ليقدموهم بأنفسهم هدايا ثمينة إلى الدود، ثم يخلون بينهم وبينه يأكل لحومهم ويمتص دماءهم ويتخذ من أحداق عيونهم، ومباسم ثغورهم مراتع يرتع فيها كما يشاء بلا رقبى ولا حذر من حيث لا يملك مالك، عن نفسه دفعًا، ولا يعرف إلى النجاة سبيلًا، نعم يا ابنتي.
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب إذا حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالًا ونرجو نتاجها لعل الردي فيما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الفضا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
الموت- يا ابنتي- يقتحمك بلا موعد ويدخل بلا استئذان: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] فرب فتاة كانت فتنة القلب وبهجة النظر، تفيض بالجمال وتنثر السحر والفتون، جاءت عليها لحظة، فإذا هي قد آلت إلى النتن والبلي، ورتع الدود في هذا الجسد البض، وأكل ذلك الثغر الجميل، فهل تظنينه عنك ببعيد؟
يحكي الهاشمي في جواهر الأدب أن عائشة التيمورية الشاعرة الأديبة كانت لها بنت رُبيت في بيت عز ودلال، قد جمع الله لها جمال الخفق وسمو الخلق، فياضة الأنوثة، ساحرة الطرف، بليغة النطق، مهذبة الحواشي، ما رآها أحد إلا أحبها، وفجأة أصابها مرض فما لبثت أن ماتت وهي بنت ثماني عشرة سنة، وروعت الصدمة كل من شاهدها وعرفها، وذهلت أمها ورثتها بقصائد تبكي الصخر وتحرك الجماد، لعلك تريدين أن تقفي على شيء منها، هاكه فتجلدي:
لبست ثياب السقم في صغر وقد ذاقت شراب الموت وهو مرير
جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا إن الطبيب بطبه معرور
وصف التجرع وهو يزعم أنه بالبرء من كل السقام بشير
فتنفست للحزن قائلة له عجل ببرئي حيث أنت خبير
وارحم شبابي إن والدتي غدت ثكلى يشير لها الجوى وتشير
لما رأت يأس الطبيب وعجزه قالت ودمع المقلتين غزير
أماه قد كل الطبيب وفاتني مما أؤمل في الحياة نصير
أماه قد عز اللقاء وفي غد سترين نعشي كالعروس يسير
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي هو منزلي وله الجموع تصير
قولي لرب اللحد رفقًا با بنتي جاءت عروسًا ساقها التقدير
وتجلدي بإزاء لحدي برهة فتراك روح راعها المقدور
أماه قد سلفت لنا أمنية يا حسنها لو ساقها التيسير
كانت كأحلام مضت وتخلفت مذ بان يوم البين وهو عسير
جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا لبس السواد ونفذ المسطور
أماه لا تنسي بحق بنوتي قبري لئلا يحزن المقبور
وهاكِ جواب الأم:
بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي قد زال صفو شأنه التكدير
لا توصي ثكلي قد أذاب فؤادها حزن عليك وحسرة وزفير
وبقبلتي ثغرًا تقضي نحبه فحرمت طيب شذاه وهو عطير
والله لا أسلو التلاوة والدعا ما غردت فوق الغصون طيور