الصفحة 3483 من 3812

وقد حذّر نبي الله شُعيب- عليه السلام - قومه من بخس الناس أشياءهم والتطفيف في المكيال والميزان كما حكى الله - عز وجل - ذلك عنه في القرآن.

وكذلك حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغش وتوعّد فاعله، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا. فقال: « ما هذا يا صاحب الطعام؟ » قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: « أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني » وفي رواية: « من غشنا فليس منا » وفي رواية: « ليس منا من غشنا » [رواه مسلم] .

فكفى باللفظ النبوي"ليس منا"زاجرًا عن الغش، ورادعًا من الولوغ في حياضه الدنسة، وحاجزًا من الوقوع في مستنقعه الآسن.

إننا يا أخي في حاجة شديدة إلى عرض هذا الوعيد على القلوب لتحيا به الضمائر، فتراقب الله - عز وجل - في أعمالها، دون أن يكون عليها رقيب من البشر.

وصدق من قال:

ولا ترجع الأنفس عن غيِّها *** ما لم يكن منها لها زاجر

ولا يكن مثلنا في معالجة هذه الظاهرة، وغيرها من الظواهر المدمرة في المجتمع- كمريض بالزائدة الدودية يحتاج إلى مبضع الجراح.. فتعمل له كمادات ساخنة عساها أن تخفف الألم.. إن المريض سيموت قبل أن التفيكر في استدعاء الطبيب!!

وإليك يا أخي المبارك وقفات مع ظاهرة الغش بعد ما علمت ما رُتب عليه من الوعيد:

الوقفة الأولى: تعريف الغش:

قال المناوي:"الغش ما يخلط من الرديء بالجيد".

وقال ابن حجر الهيثمي:"الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئًا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذ بذلك المقابل".

وقال الكفوي:"الغش سواد القلب، وعبوس الوجه، ولذا يطلق الغش على الغل والحقد".

الوقفة الثانية: مظاهر الغش:

إن التأمل في واقع كثير من الناس ليجد أنهم يمارسون صورًا من الغش في جميع شؤون حياتهم ومن ذلك:

أولًا: الغش في البيع والشراء:

وما أكثره في زماننا في أسواق المسلمين!! ويكون الغش فيهما بمحاولة إخفاء العيب، ويكون في طرق أخرى كالغش في ذاتية البضاعة أو عناصرها أو كميتها، أو وزنها أو صفاتها الجوهرية أو مصدرها، كما حدد ذلك نظام مكافحة الغش التجاري الصادر بالمرسوم الملكي رقم (45) في 14/8/ 1381 هـ

وإليك طرقًا من مظاهر ذلك على التفصيل:

1-بعض البائعين للفاكهة يضع في نهاية القفص المعد لبيعه الفاكهة أوراقًا كثيرة، ثم يضع أفضل هذه الفاكهة أعلى القفص، وبذلك يكون قد خدع المشتري وغشه من جهة أن المشتري يظن أن القفص مليء عن آخره، ومن جهة أنه يظن أن كل القفص بنفس درجة الجودة التي رآها في أعلاه.

2-وبعضهم يأتي بزيت الطعام ويخلطه ببعض العطور على أن تكون كمية الزيت هي الغالبة وبعضها في عبوات زجاجية ويخرج منها ريح العطر ويبيعه بثمن قليل.

3-وبعض التجار يشتري سلعة في ظرف خفيف جدًا ثم يجعلها في ظرف ثقيل نحو خمسة أضعاف الأول، ثم يبيع ذلك الظرف وما فيه، ويوزن جملة الكل، فيكون الثمن مقابلًا للظرف والمظروف.

4-وبعض التجار يخيط الثياب خياطة ضعيفة، ثم يبيعها من غير أن يبين أن هذا مخيط، بل ويحلف بالله إنه لجديد وما هو بجديد فتبًا له!!

5-وبعضهم يلبس الثوب خامًا إلى أن تذهب قوته جميعها ثم يقصره حينئذ ويجعل فيه نشًا يوهم به أنه جديد، ويبيعه على أنه جديد.

6-وبعض العطارين يقرب بعض السلع إلى الماء كالزعفران مثلاُ فتكتسب منه مائية تزيد وزنه نحو الثلث.

7-وبعض التجار وأصحاب المحلات يسعى إلى إظلام محله إظلامًا كثيرًا باستخدام الإضاءة الملونة أو القاتمة، حتى يعيد الغليظ من السلع والملابس- خصوصًا- رقيقًا، والقبيح حسنًا، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم.

8-وبعض الصائغين يخلط مع الذهب نحاسًا ونحوه، ثم يبيعه على أنه كله ذهب.

9-وبعضهم يعمد إلى شراء ذهب مستعمل نظيف، ثم يعرضه للبيع بسعر الجديد دون أن يُنبّه المشتري على انه مستعمل.

10-يعمد بعض البائعين في مزاد السيارات إلى وضع زيت ثقيل في محرك السيارة حتى يظن المشتري أنها بحالة جيدة.

11-وبعضهم يعمد إلى عداد الكيلو في السيارة الذي يدل على أنها سارت كثيرًا فينقصه بحيلة حتى يتوهم المشتري بذلك أنها لم تسر إلا قليلًا.

12-وبعضهم إذا كان معه سيارة يريد بيعها، ويعلم فيها خللًا خفيًا، قال لمن يريد شراءها: هذه السيارة أمامك جرّبها إن أردتها، ولا يخبره بشيء عنها.. ولعَمر الله إنه لغش وخداع.

13-وبعضهم يعمد إلى ذكر عيوب كثيرة في السيارة وهي ليست صحيحة، ويهدف من وراء ذلك إلى إخفاء العيوب الحقيقية في السيارة تحت هذه العيوب الوهمية المعلن عنها.

والأدهى من ذلك أنه لا يذكر العيوب إلا بعد البيع وتسليم العربون، ولا يمكّن المشتري من فحص السيارة بل ولا يسمح له بذلك.

14-وبعضهم إذا كان معه سيارة يريد بيعها صار يمدحها ويحلف بالله أنها جيدة، ويختلق أعذارًا لسبب بيعها. والله - عز وجل - يعلم السر وأخفى.

15-وبعضهم يتفق مع صاحب له ليزيد في ثمن السلعة فيقع فيها غيره. وهذا هو النجش الذي نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

16-ومن الغش في البيع أن يقوم القصّاب- الجزار- بنفخ الذبيحة التي يراد بيعها، ليبين للمشتري أن المنفوخ كله لحم.

17-وبعضهم يعمد في مزاد الأغنام إلى تغذيتها بالملح- وكذلك في محلات بيع الدجاج- حتى يظن المشتري أنها سمينة وهي بخلاف ذلك.

18-وبعض أصحاب بهيمة الأنعام يعمد إلى صرِّ- أي شد وربط- ضرع ذات اللبن من بهيمة الأنعام قبل بيعها بأيام ليظهر أنها حليب.

وهي ليست كذلك فلا ينطق لها ضَرْعٌ إلا بعد تَضَرُّع!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت