وذلك باستغلال المواقف في إصلاح الناس وتوجيههم، فيكون التعليق أبلغ في التأثير، وأقرب للفهم والمعرفة، مع استغلال استعداد المدعوين النفسي وتهيئهم للقبول، كما روى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسُّوق داخلًا من بعض العاليةِ والناسُ كنفتهُ، فمرَّ بجَدْي أسَكَّ ميِّتٍ فتناولَهُ، فأخذ بأُذُنِه، ثم قال: أيكم يُحبُّ أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نُحبُّ أنه لنا بشيءٍ، وما نصنع به؟! قال: أتُحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم"."
ومنه قصة المرأة وولدها في السبي، ومناديل سعد في الجنة.
ولا شك أن انتهاز المناسبة له أثره في تربية الأمة وهداية الأفراد، مع وجود عنصر التشويق لدى السامعين.
رابعًا: استعمال وسائل الإيضاح:
وهذه أبلغ ما يكون في تجسيد الفكرة، وترسيخ العلم، والتشويق إلى الموعظة بالتجديد. واستغلال وسائل الإيضاح حسب المتاح طالما لا يخالف الشريعة، وهي تختلف باختلاف الأزمان، وكذلك الأماكن والأفهام، وهي وسيلة نبوية ينبغي للدعاة عدم إغفالها، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعود قال:"خط النبي صلى الله عليه وسلم خطًا مربعًا وخط خطًا في الوسط خارجًا منه وخط خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال ( هذا الإنسان وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا".
خامسًا الاقتصاد في الموعظة:
وهذا يكون على قسمين: الأول: الاقتصاد في الكثرة: فلا يكثر من المواعظ وإنما يتخول الناس بها بين الفينة والفينة، حتى يشتاق الناس إليه ولا يملون حديثه، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة خشية السآمة.
و الثاني: الاقتصاد في وقتها: فتكون الموعظة قصدًا عدلًا، فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضًا، وقد جاء في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم قوله:"إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه".
فالبعد عن الثرثرة، وتجنب الحشو وتكرر الأفكار، وإطالة المقدمات، والاسترسال في سرد الأدلة والتفاصيل المملة يفقد الموعظة كثيرًا من فوائدها، وإنما القصد القصد.
فبهذه الخصال - وربما هناك غيرها - يملك الداعية زمام القلوب، ويؤثر على النفوس، ويرجى له القبول والانتشار بما يعود بالخير على الدعوة وعلى الناس بالمنفعة، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
حيل أهل الباطل لفتنة الدعاة
صراع الحق مع الباطل قديم، قدم هذا الإنسان على هذا الكوكب، بل أقدم من ذلك، فمنذ أن خلق الله الإنسان وأمر الملائكة، ومن ضمنهم إبليس، بالسجود لآدم (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة:34] ، ومنذ تلك اللحظة حقد إبليس على بني آدم، بسبب تكريم الله لهذا المخلوق على باقي خلقه لما ميزه عنهم بالعقل والعلم، وأقسم الشيطان بالانتقام من هذا المخلوق وتسخير جميع ما أعطاه الله من قدرة لإغواء بني آدم ثم إلقائهم جميعًا في جهنم إلا فئة قليلة منهم وهم"المخلصون"المتبعون لمنهج الحق، فقال بحقد: (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا) [الإسراء:62] أي لأستولين على ذريته إلا أولئك القليل.
ومنذ ذلك الوقت أصبح هناك صراع بين هذه القلة التي تتواجد في كل عصر وبين أولئك الكثير الذين أضلهم إبليس وقادهم إلى جهنم، والصراع سببه إصرار إبليس على فتنة معظم بني آدم بكل ما يملك من الوسائل، وإصرار العصبة القليلة من أتباع الحق السائرين على منهج الهداية، على الثبات على هذا المنهج خوفًا من جهنم، وبين هذين الإصرارين ينتج الاحتكاك، ويكون الصراع بين الفريقين متخذا أشكالًا عدة، ومن أبرز أساليب اتباع الباطل والفساد هو إلقاء الشبهات واختلاق الأكاذيب واستعمال الحيل لتشويه نصاعة مسيرة أصحاب الحق حتى ينفر الناس منهم ولا يصدقوهم بما يقولون، لأن الناس جبلوا على كراهية من يخالف قوله فعله، هذا جانب من جوانب الحرب التي لاقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة.
حرب المصطلحات
جاء في السيرة النبوية:"وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله"، وكان يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا لا ترفعوا برأسه قولًا، فإنه مجنون يهذي من أم رأسه." [انظر البداية والنهاية:3/141] .
فوصف الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون والشعر والكهانة ليفضوا الناس من حوله ويصدوا المدعوين عن دعوته وينفروهم من الجلوس معه أو الاستماع منه.
تكرر الصورة:
هذه الصورة تتكرر في كل عصر يشتد فيه ويعلو صوت الباطل، تتكرر في جميع زواياها، مع اختلاف فقط في الأوصاف والحيل لتلائم العصر المعاش.. فإذا كان أهل الباطل في الماضي يقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه مجانين وسحرة وكهنة، فاليوم لا تتناسب هذه الشبهات مع عصر العلم الحديث، وإنما يقولون:"متعصبون"، والناس يكرهون التعصب، ويقولون:"طائفيون"والناس يكرهون التفرقة. ويقولون:"رجعيون"والناس يحبون التقدم. ويقولون:"إرهابيون، ومتطرفون، وانتحاريون"، ويقولون:"يريدون قلب نظام الحكم"لتخويف الأنظمة فتتسلط عليهم بالتضييق والتذبيح والسجن، ويخوفون الشعوب لأن الناس لا يحبون القلاقل والفوضى، ويحبون الاستقرار والنظام.
أنواع من الحيل