وقد حُسد الشيخ بسبب المنزلة الرفيعة التي كانت له عند الناس وعند الأمراء، فسعوا به إلى السجن لأمور خلافية في الفقه، كان قد قررها ورأى الصواب فيها. لم يهتم الشيخ بهذا، فالدعوة يمكن أن تستمر في السجن أيضًا، يقول الشيخ البرزالي واصفًا حال الشيخ:"ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه كالشطرنج والنرد، مع تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ ذلك عليهم، وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء، وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه، ورغبّهم في أعمال الخير، حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرًا في كثير من الزوايا والربط والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أُطلقوا يختارون الإقامة عنده...". [10]
ومنهم: الشيخ عبد الله بن عثمان اليونيني الملقب بـ (أسد الشام) "وكان أمارًا بالمعروف، لا يهاب الملوك، حاضر القلب، دائم الذكر، قيل إن العادل أتى والشيخ يتوضأ، فجعل تحت سجادته دنانير فردها وقال: يا أبو بكر: كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق؟ فأبطل ذلك. وقيل، جلس بين يديه المعظم وطلب الدعاء منه، فقال: يا عيسى لا تكن نحس [11] مثل أبيك، أظهر الزَّغل [12] وأفسد على الناس المعاملة [13] "
ومنهم: أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي بن قايد الأواني [14] ذكر الذهبي في سيره أنه قدم (أوانا) واعظ باطني فنال من الصحابة، فغضب الشيخ ابن قايد، وطلب أن يحمل في محفته، وقد كان مقعدًا، فحمل وجيء به إلى المسجد وصاح بالباطني: يا كلب انزل، ورجمته العامة فهرب إلى الشام وحدث كبير الاسماعيلية الباطنية سنان بن سلمان بما حدث له، فندب سنان اثنين من رجاله لقتل بن قايد، فأتياه وتعبدا معه شهرًا ثم قتلاه، وقتلا خادمه، وهربا في البساتين، فنكرهما فلاح فقتلهما. [15]
وبمثل هؤلاء العلماء المتألهين يحفظ هذا الدين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون...
[1] - تحرير الأحكام/ 65
[2] - الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ/48
[3] - السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/228.
[4] - تملك بعد أخيه صلاح الدين الأيوبي.
[5] - انظر إلى هذا السلطان الذي يحاكي حكام زماننا الذين يتقربون إلى أحفاد الفرنجة بمحاربة الدعاة والعلماء ويودعونهم السجون لا لسبب ظاهر إلا التزلف لأعداء الله حتى يرضوا عنهم.
[6] - طبقات الشافعية 8/210.
[7] - ابن كثير: البداية والنهاية 13/335.
[8] - الكواكب الدرية/181.
[9] - قارن بما وقع هذه الأيام في باكستان حين ثبت على نصرانيين أنهما سبا الإسلام، وضغطت بريطانيا على الحكومة الباكستانية حتى لا يصدر حكم بحقهما، ولم يستطع العلماء هناك إظهار موقف قوي تجاه هذه الحادثة.
[10] - أبو الحسن الندوي: حياة شيخ الإسلام ابن تيمية/50.
[11] - الصواب: نحسًا وتركت كما هي بخط الذهبي.
[12] - العملة المغشوشة.
[13] - سير أعلام النبلاء 22/101.
[14] - من قرية أوانا شمالي بغداد.
[15] - سير أعلام النبلاء 21/195.
الدعوة بين تنويع الأساليب وتمييع الحقائق
الشيخ حسن محمد قائد
إن مما نحتاج إلى إتقانه فن مخاطبة الناس على اختلاف مشاربهم، وتفاوت مستوياتهم، وتنوع انتماءاتهم، وذلك من حيث:
اختيار المسائل والقضايا المناسبة.
اغتنام الفرص والأوقات الملائمة.
اعتبار حال المخاطبين من جهة تفاعلهم، وتقبلهم لما يخاطبون به.
التعمق في معرفة قدرات عقولهم على تفهم ما يلقى عليهم، وما يراد منهم فهمه وتبنيه.
وغير ذلك من الاعتبارات المهمة، التي لا ينبغي لكل من أراد أن يوصل كلمته، ويجعلها مؤثرة مؤدية للغرض الذي يرنو إليه، ويسعى لتحقيقه أن يهملها ويهمشها، بل عليه أن يكون على دراية تامة وإحاطة قوية بحال من يجتهد لإيصال صوته إليهم، والتأثير به عليهم، خاصة من تصدى لبيان الحق والهدى الذي جاء به النبي - صلى الله عليه و سلم -، والسعي لإخراج الناس من ظلمات الكفر، أو الجهل، أو البدع والضلال إلى نور الإسلام والسنة والصراط المستقيم.
فكثيرًا ما يكون المرء على معرفة وعلم بما يدعو الناس إليه، ولكن هذا - مع حسنه - لا يكفي وحده، ولا يغني بمفرده، حتى يتقن صاحبه الدور الثاني المهم، وهو القدرة على إيصال هذا الحق إلى الناس بالكيفية المناسبة، والدخول إليهم به من الباب الصحيح الذي يستقبلونه ويتقبلونه.
فالخطوة الأولى في فشل الداعية، أو المربي، أو المعلم، أو المخاطِب بصورة عامة تظهر عندما يكون همه محصورًا في إبداء ما في صدره، وإخراجه للناس، وإيصاله إليهم بأي طريقة كانت، ومن غير مراعاة للظروف المؤثرة إيجابًا أو سلبًا، ومن غير دراية، أو اهتمام بقدرات المخاطبين على تفهم القضية، أو المسألة التي سيوصلها لهم.
فتراه يخاطبهم كلهم بطريقة واحدة، وكيفية متساوية، وبنفس الأسلوب، سواء عنده العالم والجاهل، والمسلم والكافر، وقديم العهد بالالتزام وحديثه، والمبتدع الضال والمتبع السني، والرجل والمرأة.
ولسنا نقصد بمراعاة نفوس الناس، واعتبار أحوالهم وعقولهم أن تميع القضايا، أو تمطط المسائل الشرعية، وتحرف وتغير لأجل إقناع طائفة من الناس مثلًا بأن الإسلام دين اليسر والتسهيل، أو نحو ذلك، فإن ثمة فرقًا بين تحريف الحق وإخضاعه لأهواء الناس، وبين إبقائه على حاله واضحًا جليًا محددًا كما أنزله الله، وبلغه رسوله - صلى الله عليه و سلم -، ولكن يختار 'الأسلوب المناسب' والوقت المناسب لإيصال ذلك الحق ' كما هو في الشرع ' للناس.