الصفحة 435 من 3812

وهذه المثالية لا يمكن أن تكون واقعا إلا بالنظر إلى طبيعة النفس ومكوناتها ، ومن ثم راعى الإسلام الموازنة بين النفس والروح، والاعتدال بين احتياجات كل واجدة منهما .

فالعبادات غذاء الروح وحياتها ؛ إذ هي حظها من خالقها ومعبودها ، ولكن لا ينبغي أن يهلك العبد بالعبادات نفسه ، ويعذب بها جسده ، ويحمله مالا يطيق {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ، وفي الحديث: % [لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ] %% (متفق عليه) .

وقال لمن ربطت حبلا بين ساريتين تتعلق عليه إذا فترت: % [ ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد ] %%.

وقال لعثمان بن مظعون: % [ يا عثمان أرغبت عن سنتي قال لا والله يا رسول الله ولكن سنتك أطلب قال فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم ] %%. (أخرجه أبو داود) .

وإذا كان الناس متفاوتين في استعدادهم للوصول إلى الكمال ، فقد راعى ذلك الإسلام أيضا فجعل حدًّا أدنى يتحمله كل أحد ، وهو فعل الفرائض والواجبات وترك المعاصي والمحرمات ، وحدًّا أعلى يتنافس فيه المتنافسون ، بفتح أبواب النوافل والمستحبات ، وهو مجال يصل فيه كل عبد حسب ما تبلغ به همته .

كما تظهر واقعية الإسلام في إيجاد المخارج لما قد يحدث من ضرورات ،كالتيسير وقت الشدة وإباحة المحظور للضرورة وإيجاد الرخص كل ذلك حتى يمكن لهذه الشريعة ـوقد كان ـ أن تصلح لكل زمان ومكان، وليحق قول الله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} ، {ما جعل عليكم في الدين من حرج } .

هذه كانت إطلالة سريعة على خصائص الإسلام الذي هو موضوع الدعوة ، والواجب على الدعاة أن يبينوا للناس هذه الجوانب من عظمة هذا الدين ، ويجعلوا ذلك أصل دعوتهم فإن أكثر الخلق غافلون عن معرفة الإسلام جاهلون به ، ولو عرف الناس الإسلام حق معرفته لدخلوا فيه أفواجا كما خرجوا منه ـ لتقصيرنا في الدعوة وجهلهم به ـ أيضا أفواجا .

معنى الدعوة إلى الله تعالى

لعلي لا أكون مخطئًا إذا قلت:"إن العالم الإسلامي اليوم لا يحتاج لحل مشكلته إلى انتقال جمهور جديد من المنحرفين والغافلين إلى التمسك بالإسلام ، بمقدار ما هو بحاجة سريعة إلى توعية المتمسكين به ، وبعث هممهم ، وتعريفهم طريق العمل وفقه الدعوة , ولا تزال هناك بقية باقية من المؤمنين كثير عددها ، تكفي ـ لو تحركت ـ لقيام الخير الذي نبغي ونريد ، إذا عرفت التجرد ، وتقلّلت من الدنيا ، وبعدت عن الفتن ، وصبرت في المحن ، وأجادت فن قيادة الأمة ."

إننا في هذه الحقبة نحتاج إلى دعاة إلى الله ، من المصلين المعتزين بدينهم، المتحلين بأخلاق المؤمنين ، دون الغافلين فضلا عن المنحرفين ، نحتاج المسلم الغيور صادق الإيمان ، نقى العقيدة ، الذي يتألم لواقع المسلمين الحاضر ويحزن له، فيدله هذا على طريق العمل المثمر وسبل الخلاص من هذا الواقع المر ، والعمل على توعية الناس والترقي بهم ، وكذلك العناية بما يلزمه من الارتقاء بتربية نفسه إلى مستوى متطلبات هذا الطريق.

الدعوة في اللغة والاصطلاح

قبل أن نعرض لموضوعات الدعوة يلزمنا أولا أن نبدأ بتعريف الدعوة وإظهار معناها لغة واصطلاحا

أولا: الدعوة في اللغة

كلمة ( الدعوة ) مصطلح إسلامي، وهناك علاقة وثيقة بين مدلول هذا اللفظ في الأصل اللغوي، وبين استعماله كمصطلح إسلامي صرف .

وأول ما ننظر إلى كون اللفظة فعلا وهو"دَ عَ وَ"على وزن"فَعَلَ". نجد أن هذا اللفظ لا يحمل إلا معنى واحدًا ، وهو: أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك . (انظر معجم مقاييس اللغة 2/279) . ومشتقات هذا الفعل لم تخرج في مدلولاتها عن هذا المعنى أبدًا .

ويقول صاحب المحيط: (( دعا دعاء ودعوى ) )، أي الإمالة والترغيب .

معاني الدعوة في القرآن

ورد لفظ الدعوة في القرآن الكريم للدلالة على معاني متعددة منها:

1 ـ معنى الطلب: نحو قوله تعالى: ( لا تدعو اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا) (الفرقان: 14) . بمعنى لا تطلبوا اليوم هلاكًا واحدًا بل اطلبوا هلاكًا وويلًا كثيرًا فإن ذلك لن ينفعكم.

2 ـ معنى النداء: نحو قوله تعالى: ( ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقًا) (الكهف:52) . أي فنادوهم فلم يستجيبوا لهم.

3 ـ معنى السؤال: نحو قوله تعالى حكاية عن بني إسرائيل: ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها) (البقرة:69) . أي اسأل ربّك يبين لنا ما لون البقرة التي أمرنا بذبحها.

4 ـ معنى الحث والتحريض على فعل شيء: نحو قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ( ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار) (غافر:41) . بمعنى أنه ليس من العدل والإنصاف أن أحثّكم وأحرضكم على فعل ما من شأنه نجاتكم في الدنيا والآخرة، وأنتم تحرضونني على فعل ما من شأنه هلاكي.

5 ـ معنى الاستغاثة: نحو قوله تعالى: ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين) (الأنعام:40) .

بمعنى: هل إذا أتاكم عذاب وغضب من الله وأصابتكم كارثة أو مصيبة أو أتتكم الساعة هل إذ حدث ذلك تستغيثون بغير الله؟ فإن كلمة تدعون في الآية بمعنى الاستغاثة.

6 ـ معنى الأمر: نحو قوله تعالى: {وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم} (الحديد:8) . أي والرسول يأمركم أن تؤمنوا بالله ربكم.

7 ـ معنى الدعاء: نحو قوله تعالى: ( ادعوا ربكم تضرُّعًا وخفية) (الأعراف:55) . بمعنى توسلوا إلى الله بالدعاء وتقربوا إليه به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت