لست قلقًا من هؤلاء الصغار؛ لأن هذه المواقف المكشوفة تفضحهم عند الخاصة والعامة، وتميط اللثام عن انتكاسهم الفاضح، وتبرز بجلاء حقيقة شعاراتهم المتناقضة التي يتشدقون بها بكل صفاقة ومهانة. قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30] .
نعم.. لست قلقًا من هؤلاء إذا ما وعى الدعاة والمصلحون طبيعة المعركة، وأدركوا أن الحق يُصرَع إذا أُخِذَ بتهاون وتثاقل.
ولكن ثمة حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن العلماء والدعاة قصروا تقصيرًا بينًا في الدعوة في أوساط النساء، وكان الخطاب الدعوي في مجمله خطابًا رتيبًا مكررًا يفتقد للجاذبية والتجديد والإبداع، في الوقت الذي تصدَّر فيه المفسدون للتغريب ونشر الرذائل والعبث بالقيم، وفتنوا الناس في أخلاقهم وأعراضهم.
هذه حقيقة مهمة يجب أن نعيها؛ لأن ذلك سيقودنا بعون الله - تعالى - إلى إعداد رؤية شاملة للدعوة في الوسط النسائي، وتقديم البدائل العملية الجادة التي تحفظ للأمة كرامتها وعفتها.
وقفة مهمة
وهاهنا وقفة مهمة مع الأخوات الداعيات لتذكيرهن بواجبهن الشرعي في أخذ زمام المبادرة، والإقبال على الدعوة والتربية، والحرص على سعة الأفق، والبدء بالأولويات.
إن للمرأة الداعية طاقات كبيرة ومجالات عديدة لا يملكها الرجال، وتستطيع بإذن الله تعالى إن هي أقبلت على الدعوة وجدَّت في العمل أن تنجز إنجازات كبيرة، وتذبّ عن الأمة شرورًا كثيرة.
ولئن كنا قد قصرنا في وقت مضى، فلا عذر لنا فيما يأتي. وردود الأفعال الآنية مهمة ولا بد منها، لكن لا يجوز أن نبقى هكذا عاجزين متواكلين، بل يجب أن نبادر بأطروحات مستبصرة، نستشرف فيها أبعاد المرحلة وتبعاتها. قال الله تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ} [الرعد: 17] .
ـــــــــــــــــــــ
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
نحو رؤية إسلامية شامل
الفهم القاصر للإسلام يولد عند صاحبه قصورا في رؤية الوقائع على حقيقتها التي ينبغي أن ترى عليها.. وكثيرا ما يؤدي هذا القصور في الرؤية إلى انتقاص الإسلام وتحجيم دوره في الحياة، أحيانا إلى ركن صغير جدا من أركانها، ولو كان هو علاقة المسلم بربه، وربما رفع دور الدين مطلقا.. ومن هنا كانت ضرورة الحديث عن الرؤية الصحيحة والشاملة لهذا الدين..
يقول يحيي بشير:"بادئ ذي بدء نقول: إن الرؤية الإسلامية - كما نتصورها - لابد فيها من أربعة أمور:"
أولها: الفهم الواعي لدور الإسلام في الحياة.
وثانيها: معرفة التيارات الوافدة قديمًا وحديثًا.
وثالثها: الاهتمام بقضايا المسلمين.
ورابعها: الالتزام الذي ينبع من الإيمان العميق.
الرؤية الشاملة والعاطفة
وثمة سؤال: هل الرؤية هذه مجرد عاطفة تنطلق في المناسبات؟ أم هي عملية تقويمية تنطلق من خلال الإسلام، وتنظر بمنظاره؛ فتُخَطِّئ وتصوب وتمجِّد؟
إن ممَّا تمتاز به الرؤية عند المسلم أنها منطلق مبدئي، والتزام أخلاقي. فهي ليست - على سبيل المثال - بكاء على المظلومين، ولا دعوة إلى إنصاف المحرومين، ثم البحث عن حياة خاصة، ولو كانت في بروج الظالمين.
وهي رؤية تتسم بالصدق مع النفس والواقع، وحب الخير، والإيمان باستمرار الصراع بين الحق والباطل، وانتصار الحق أخيرًا، والأخذ بالأسباب، والحنين إلى الماضي المجيد واستلهامه والإفادة من تجاربه.
وهي ليست موقفًا انعزاليًا، ولكنها مخالطة ومعاناة وإحساس بما يجري، ومحاولة جادة لتوجيهه وتقويمه.
وهي إيمان بالحل الإسلامي لقضايا الحياة والإنسان، وقد أثبتت التجارب أن الإسلام هو الحل، بعد أن أخفقت كل الحلول المستوردة.
وهي أخذ بالمنظار الإيماني في التعامل مع المدنية الوافدة، فنأخذ منها وندع بما يتوافق مع مقتضى هذا الإيمان. وهي ليست نظرة قُطْرِيَّة تعُنى بقُطْرٍ دون آخر، فحيثما حَلَّ المسلمون فثمة الهم.
وهي بالنسبة للماضي؛ ليست مجرد نظرة إلى تراث مجيد، ولكن تراث لجيل فريد، والتعمق في تجارب الذين اتبعوهم بإحسان، فاقتربوا أو ابتعدوا عن المنهج بحسب التزامهم به.
وهي ليست إعجابًا بفرد، وإن كانت البطولة في التعالي على ضروريات الحياة وقمع هوى النفس مما يهز الوجدان المسلم، ولا إعجابًا بتجربة، ثم الوقوف عندها، دون مقارنة لها بما عند الآخر.
وهي بالنسبة للحاضر، تتمثل في الدعوة إلى الالتزام بالإسلام، وتقديمه منهجًا للحياة، وتبيين أحقية هذا الدين في حكم الحياة وسياسة المجتمع. ثم هي لفت لأنظار الغافلين إلى المآسي التي يجرها البعد عن الإسلام، وذلك بتقديم صورٍ للمآسي المعاصرة، وتوضيح لتداعي الأعداء على مختلف توجهاتهم ضد المسلمين.
وهي بالنسبة للمستقبل تتمثل في يقين المسلم أن المستقبل لهذا الدين، وفي النظرة المتفائلة لما ستؤول إليه نتيجة الصراع مع الباطل، وأن تجارب التاريخ البعيد والقريب تؤكد أن المستقبل للإسلام؛ وهي بذلك موقف استشرافي للآتي.
وإذا قلنا في البداية بأنها: ليست عاطفة، ولا حديثًا عن المناسبات؛ فليس معنى ذلك أن ننفيهما، ولكن قصدنا أن العاطفة وحدها لا تكفي، وأن الحديث عن المناسبات دون استلهامها لا يؤدي المقصود. مع يقيننا بأن العاطفة من أخص خصائص العمل للإسلام، وأن الذين ينقطعون عن تاريخهم يعيشون غراسًا ليس لها جذور، منبتة في أرض من الرمال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البيان: 109 (بتصرف يسير)