الصفحة 482 من 3812

الأول: رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئًا، فقال:"ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه اللّه؟". فقام رجل من الأنصار وقال: أنا يا رسول اللّه، فذهب به لامرأته، وقال: هذا ضيف رسول اللّه، لا تدخريه شيئًا، فقالت: واللّه ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال:"لقد عجب اللّه - أو قال: لقد ضحك - من فلان وفلانة"، وأنزل اللّه تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) . وقد سمى الإمام مسلم الأنصاري، وهو: أبو طلحة رضي الله عنه.

وذكر مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تَلَهَّ ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره.. فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، وقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فدحا (فدفع) بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.

وأما الجود بالنفس فكان منه لمحة في معركة اليرموك حكاها حذيفة العدوي بقوله: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي - ومعي شيء من الماء - وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه، فاذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.

وقد روى ابن الأعرابي مثل ذلك أيضا عن عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والحارث ين هشام.. وهم من بين المغيرة فلما مر بهم خالد بن الوليد ورءاهم على ما هم عليه قال: بنفسي أنتم والله. ولا غرابة في تكرار ذلك فقد تشابهت قلوبهم فتشابهت فعالهم رضي الله عنهم أجمعين.

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها.. ... .. والجود بالنفس أقصى غاية الجود

ما أحوج الأمة ـ أفرادا ودولا ـ أن تتعلم هذا الدرس من دروس هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن تأخذ بهذا السبب من أسباب عودتها للسيادة والريادة والقيادة، فأمة مفترقة غير مجتمعة، ومختلفة غير مؤتلفة، ومتباغضة غير متحابة، ومتنازعة غير مصطلحة هي في الحقيقة أمة فاشلة ذاهبة الريح كما قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (لأنفال:46) .

مولد سيدي فالنتين ..!!

لم يعد الغراب يحاكي الطاووس في مجرد المشية، بل تمادى في محاولة التقليد إلى ما هو أبعد، فهناك من أقنعه أن يجتهد في تغيير شكل منقاره، وإجراء عملية تجميل لساقيه، وزرع ريش جديد بدل ريشه الأسود، وتركيب زمّارة في حلقه لتغيير نغماته وطبقات صوته..

وبعد العملية ( زنّوا ) على أذنيه بإلحاح: شُفْتَ !! لست من فصيلة الغربان يا غوغو؛ أنت من الطواويس أو الحساسين أو الشحارير.. وصوتك أجمل من صوت آبائك الغربان المساكين البائسين.

ويصدق الغراب المسكين أنه صار عند ليبًا؛ لأنهم غيروا له ريشه، ناسيًا أن تكوينه لا يتحدد بالقشرة الخارجية، إنما هي الجينات، بل الشفرة المسجلة في الجينات، التي تعطيه هويته، وتمنحه خصائصه، ليبقى غرابًا وابن غراب، مهما تنكّر لأصله، ومهما غيّر من لون جلده، ومهما تشبه بغيره.

والغراب هنا هو أمتنا العظيمة التي تستورد الريش، وأجهزة تغيير شكل المناقير، وتحاول أن تغني غناءً أوبراليًّا يشبه نواح العجائز في المآتم، وتظن أنها -بذلك - ستصير متحضرة - ماديًّا على الأقل - تنافس الخواجات، وتسبقهم، وتتفوق عليهم !!

فما دمنا اشترينا الشوكولاته، والسجائر الأجنبية، والشامبوهات، والبامبرز، وجهاز الفيديو، وما دمنا نرطن بالإنجليزية الركيكة، ونحب المحروسة مادونا والأسبايس جيرلز، وما دمنا نشتري لأبنائنا دمىً على شكل ميني ماوس وبوكاهونتاس فنحن - بشهادة أنكل سامّ - نستحق دخول القرن الحادي والعشرين، ونحن محصنون عقليًّا، وإبداعيًّا، وحضاريًّا، ولا نحتاج لوصاية الدين، ولا آراء المتزفتين ( المتزمتين ) !

ظاهرة واضحة منذ أغروا شبابنا أوائل هذا القرن الغارب برقصات"الفالس"و"الشارلستون"و"الكاريوكا"، وبزجاجات المياه الغازية، مرورًا بانتفاضة محلات"التيك أواي" ( الوجبات السريعة ) التي تحاول - بأدائها وتصميمها وعروضها - تغيير شكل المجتمعات، وصولًا إلى آخر اسطوانات الليزر المعلبة بأفلام العنف وموسيقى"الهيفي ميتال".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت