الصفحة 484 من 3812

الحمد لله خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وتبارك الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا. أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وألتجئ إليه في يوم كان شره مستطيرًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بين يدي الساعة مبشرًا ونذيرًا، وداعيًّا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا... وبعد:

فليس للتقوى زمن محدود ولا موسم مخصوص معدود، وإنما هي حق الله الدائم على العبيد، يعمرون بها أوقاتهم، ويستعملون فيها أبدانهم، ويقضون فيها أعمارهم. والمغبون من لم يعرف ربه إلا في أيام معلومة، أو ساعات معدودة، ثم يعود بعد ذلك إلى الغي والغفلة، وينتكس في المعاصي والشهوة، ويرتكس في الآثام والعصيان، نعوذ بالله من الخذلان.

اعلموا أن كل آتٍ قريب، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ. ومن كانت مطيته الليل والنهار سير به وإن لم يسر، فإن الليل والنهار مطيتان تقربان كل بعيد وتبليان كل جديد، وتأتيان بكل موعود. والله تعالى جعل الليالي والأيام والشهور والأعوام مواقيت للأعمال، ومقادير للآجال، فهي تنقضي جميعًا وتمضي سريعًا، والذي أوجدها باقٍ لا يزول، ودائم لا يحول.

من ظن أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما بلا حكمة فقد افترى على الرحمن وكذّب القرآن (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) [الأنبياء:16] . ومن اعتقد أن الإنسان خلق لغير مهمة فقد جاء بزور وبهتان (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) [القيامة:36] ، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115] .

وقفات عند الوداع

ونحن نودع عامًا هجريًّا مضى من أعمارنا، ونستقبل عامًا جديدًا، يلزم الإنسان منا أن يقف وقفة تساؤل، وتأمل وتدبر، تعقبها وقفة طويلة يحاسب فيها الإنسان نفسه عما اقترفه خلال عام كامل من عمره، عام مضى وانقضى، لا ندري ما الله صانع فيه، ثم وقفة استعداد لانطلاقه إلى الله من خلال عام نستقبله لا ندري ما الله قاض فيه.

1 ـ وقفة تأمل وتدبر:

إن أول ما يجب أن يلفت انتباهنا السرعة العجيبة التي مرت بها هذه السنة، فبالأمس القريب كنا نستقبل هذا العام، وهانحن وبهذه السرعة نودعه، وفي هذا ما يدل أولي الألباب على سرعة انقضاء الأعمار، وسرعة فناء هذه الدار، كما قال العزيز القهار: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ) [آل عمران:190] .

ما بين الولادة والكهولة، والشباب والشيخوخة، والهرم ثم الموت، ينتهي شريط الحياة في عجالة، ويطوى سجل الإنسان وكأنها غمضة عين، أو ومضة برق، فياعجبا لهذه الحياة كيف خدع بها الناس، وغرهم طول الأمل فيها، وهي كما قال الله فيها: (لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ) [الحديد:20] ، (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) [الكهف:45] . (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس:24] .

هذه هي الدنيا التي يستغرق فيها كثير من الناس ويضيعون من أجلها الآخرة لينالوا بعض متاعها ويتمتعوا ببعض ملذاتها وشهواتها، هي والله سراب خادع، وبريق لامع، ولكنها سيف قاطع، وصارم ساطع، كم أذاقت بوسًا، وجرعت غصصًا، كم أحزنت فرحًا، وأبكت مرحًا، كم هرم فيها من صغير، وذل فيها من أمير، وارتفع فيها من حقير، وافتقر فيها من غني، واغتنى فيها من فقير، ومات فيها من صغير وكبير، وعظيم وحقير، وأمير ووزير، وغني وفقير.

فاعلموا رحمكم الله أن الدنيا أيام محدودة، وأنفاس معدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، هي والله قصيرة، وإن طالت في عين المخدوعين بزخرفها، وحقيرة وإن جلت في قلوب المفتونين بشهواتها. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) [فاطر:5] ، (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) [غافر:39] .

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن عمر يقول:"إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".

وهذا الحديث العظيم أصل في قصر الأمل في هذه الحياة، وكأن الإنسان فيها على جناح سفر فهو يتأهب للرحيل.

روى الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها".

قال عيسى عليه السلام لأصحابه:"الدنيا قنطرة، اعبروها ولا تعمروها". وقال:"من ذا الذي يبني على موج البحر دارًا، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت