الصفحة 517 من 3812

دعينا نتأمل خبر أبي هريرة رضي الله عنه حينما يحدثنا:"أن أسود - رجلًا أو امرأة - كان يقمُّ المسجد، فمات، ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بموته، فذكره ذات يوم فقال: ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله. قال: أفلا آذنتموني؟! فقالوا: إنه كان كذا وكذا - قصته - قال: فحقَّروا شأنه. قال: فدِلُّوني على قبره. فأتى قبره فصلَّى عليه".

سبحان الله.. امرأة - كما جاء في بعض الروايات - ربما كان بعض الناس يزدريها وينظر إليها نظرة لا مبالاة.. ولكنها عند رسول الله صلى عزيزة كريمة يسأل عنها ويصلي عليها.

قامت هذه المرأة بعمل - قد نظنه يسيرًا - ولكنه عند الله تعالى عمل عظيم يستحق تقدير النبي صلى الله عليه وسلم واهتمامه.

إنها الفاعلية التي دفعت هذه المرأة لخدمة المسلمين والسعي في حاجتهم، صورة عظيمة يتجلى فيها عمل هذه المرأة المستضعفة عند الناس.. لكن قلبها العامر بالطاعة حفَّزها على البذل والعطاء دون أن تهن أو تضعف.

إنها الفاعلية التي اطمأنت بها ذوات القلوب المرهفة الحية، فقدَّمْنَ ما يَقْوَيْنَ عليه ابتغاء وجه الله تعالى، دون أن يشعرن بالاتكالية والاعتماد على الآخرين.

وكم يحزُّ في النفس أن يرى المرء ذلك التمرد الأخلاقي الذي يعصف بنا من كل صوب، ثم يجد من بعض صالحاتنا عزوفًا أو انشغالًا عن تلك المسؤولية العظيمة؟!

فيا سبحان الله! لمن تتركن الميدان؟! ومن تنتظرن أن يقوم بهذا الدور؟!

ألا يكتوي قلبكِ حين ترين تلك الوحوش الكاسرة التي كشَّرت عن أنيابها الفضائية ومخالبها الصحفية، وراحت تعبث في أخواتك، وتنتهك عفتهنَّ وكرامتهنَّ؟!

ألا يتفطر فؤادكِ وأنتِ ترين التفسخّ والانحلال يستشري في نسائنا، وينتشر في بيوتنا انتشار النار في الهشيم؟!

أيطيب لكِ طعام أو شراب وأنتِ ترين الفتاة تلو الفتاة وقد رَمَت بحجابها وراحت تركض هنا وهناك ملبية نداء تلك الأبواق الخاسئة التي مُلئت بكل ألوان الدهاء والفتنة؟!

يا الله..!! كيف تقوى نفْسُكِ على القعود وأنتِ تملكين - بفضل الله - القدرة على تحصين أخواتك من حبائل المفسدين ومكايد العابثين؟!

أيرقأ لكِ دمع؟ أم هل يسكن لكِ قلب؟ آلله تعالى يرضى لكِ بذلك؟!

أُخَيَّتي في الله:

إما أن تتقدمي أنتِ.. وإلاَّ فإن أولئك القوم لنا بالمرصاد، وبقدر تقصيركِ يكون إقدامهم، ومن أيقنتْ بعظيم مسؤولياتها هانت عليها كل العقبات التي تواجهها.. ومَنْ صدق الله صدقه..

ومَنْ رعى غنمًا في أرض مسبعة.. ... ..ونام عنها تولَّى رَعْيَها الأسدُ

التغيير من أين يبدأ؟!!

حين نريد أن نتغير أو أن نعدل وضعًا قائمًا،أو أن نحل مشكلة تقلقنا؛ كثيرًا ما ينصرف تفكيرنا إلى الآخر بحثًا عن مخرج للوضع، أو مساعدة على تخفيفه. ولكن المشكلة أن هذا الآخر لن يستطيع أن يقدم شيئًا مهما بلغت درجة رغبته - إن وجدت - لأن الأمر يجب أن ينبع من داخلنا. والحل هو ما نستطيع أن نعمله لا ما ننتظر من الآخرين أن يعملوه.

هل يعني هذا أن يعيش الإنسان منفردًا؟ يفكر منفردًا، ويشعر ويتصرف منفردًا.. بل على العكس تمامًا، قد يكون هذا هو جوهر العمل مع الجماعة، ولكن الرغبة في التغيير إذا لم تكن هاجسًا داخليًّا، يعقبه تصرف موجه نحو هذا التغير المنشود، فإن كل جهد لتحصيله سيكون هباء.

هذا الأمر ينسحب على أشد الأمور تعقيدًا وأكثرها بساطة: أنت لا تستطيع أن تغير أستاذك الذي لا يشرح لك المادة بشكل جيد.. ولكنك تستطيع أن تغير استراتيجيتك في دراسة هذه المادة.

أنت لا تستطيع تغيير الأوضاع الاقتصادية، ولكنك تستطيع أن تبحث عن أكثر الحلول ملاءمة لك، وتوفير متطلباتها في نفسك، وحين يدور الأمر حول العلاقات الشخصية تجد أنه يأخذ أبعادًا أكثر عمقًا وثراءً.

أنت لا تستطيع أن تغير أحوال شخص معين ، ولكنك تستطيع أن ترسخ في نفسه حب التغيير لما هو عليه .

فالتغيير الذي تتبناه في نفسك - كموقف إيجابي - سينعكس بعد حين على الطرف الآخر.. وسيغير تدريجيًّا من نفسه. ومن طريقة تعامله معك في تفاعل مستمر لا يعني استسلام أحد الطرفين للآخر، ولكنه محاولة للتكيّف مع الشكل الجديد للعلاقة، الذي ساهمت بجزء كبير في وضعه بعنايتك بالجانب الذي يخصك فيها.

الغريب أننا أحيانًا نريد التغيير دون أن نخسر شيئًا، وهذا مطلب عسير، فلكل شيء ثمن وتوقعه يخفف من وطأته، فالآخرون الذين تعودوا على أن يروك بشكل ما - قد لا يسرهم أن تغير في أسلوبك، أو حتى فيما اعتادوا عليه، لن يفكروا كثيرًا في الأفضل لك، بل سينزعجون من اضطرارهم لتغيير عاداتهم في التعامل معك.

قد تنتقد كثيرًا، وستبذل جهدًا أكبر، وربما في فترات معينة ستتراكم عليك الضغوط، غير أن وضوح هدفك سيكون - بإذن الله - هاديًا لك مع كثير من الدعاء.

رحمك الله يا عمر!!

رحمك الله يا عمر .. كلمة وجدتني أنطق بها بعد أن جلست مع بعض الشباب ، وسمعت منهم مشاكلهم وهمومهم ، وعرفت منهم تطلعاتهم وأفكارهم .

ثم وجدتني أنطق بها مرة أخرى بعد أن قرأت استطلاعًا للرأي أجرته صحيفة يومية مع طالبات الجامعة حول ما يلبسن ويفضلن من الأزياء .

لقد كان عمر بن الخطاب إذًا ينظر من خلال حِسِّه المرهف ، وفكره الملهم ، وكرجل مسئول يريد أن يحفظ على الأمة دينها ، ذلك حين جلس مع أهل الرأي والمشورة ليختاروا لأمة الإسلام تأريخًا خاصًا بها ، وقرروا أن تكون هجرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي السنة التي يبدأ منها التأريخ الإسلامي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت