فهرس الكتاب
ورأيتُ شيخهم يُمسك نسخة قديمة ممزقة الأوراق من كتاب"الأصول الثلاثة"باللغة السواحلية، ذكر أنه استعارها من صاحب له، فسألته عن طلابه وحرصهم على الدرس والحفظ؟ فطأطأ رأسه قليلًا، ثم تنهد بعمق.. وقال: جاءت إلينا إحدى الإرساليات الكنسية العريقة منذ أكثر من عشرين عامًا، وهاهي ذي الآن تتعاهد أبناءنا بالقصص المصورة الموجهة بلغتهم المحلية، فتشدهم بألوانها البراقة وأساليبها الجذابة، كما توزع الإنجيل والكتب والمجلات التنصيرية، وتقيم الاحتفالات والبرامج الشبابية المتعددة لاحتواء المسلمين وفتنتهم.
ثم نظر إليَّ نظرة ملؤها الأسى والعتب، وقال لي بحياء: أين المسلمون؟! حتى أنت تصافح الصبية بحرج حتى لا تتسخ يدك! ولكن دع النصارى يفعلون ما يريدون فنحن على ثقة من ديننا، حتى ولو كنا تحت شجرة ولم نجد إلا ألواح الخشب وأقلام الفحم!!
غادرت المنطقة وقد اغرورقت عيناي بالدموع، وأنا أحمد الله تعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الذي حفظ كتابه العزيز، وحفظ دينه الكريم، فعلى الرغم من الفقر والمرض والجهل، وعلى الرغم من العزلة والانقطاع، والبعد في تلك المناطق النائية والأدغال الوعرة؛ تجد هؤلاء الصبية يتحلقون لتلاوة كتاب الله تعالى بكل اطمئنان وثقة.
لقد تعلمتُ في التربية درسًا لا يُنسى.. فالبذل لهذا الدين والتضحية من أجله ليست شعارًا يُرفع أو دعوى يُتشدق بها، وإنما هي وليدة عقيدة راسخة في القلب تثمر الصدق والفاعلية.
لقد تعلمتُ في التربية درسًا لا يُنسى.. فكم من الأموال التي ننفقها في الإسراف والبذخ والتوسع في المباحات، فضلًا عن الملاهي والمحرمات..؟!
ولم أعجب من جهود المنصرين وأنا أقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36] .
ولكنني عجبت أشد العجب من تقصيرنا وتفريطنا نحن المسلمين، فكتاب الله عز وجل لم نستطع إيصاله لعموم المسلمين، فضلًا عن ترجمة معانيه وتفسيره.. فضلًا عن تقريب السنة النبوية وترجمتها، وتيسير العقيدة الصحيحة المبرأة من الشركيات والبدع..!!
ما أعظمها من أمانة..!
وما أجلها من مسؤولية..!
سوبر ستار .. أجمل قبر لأتعس أمة
عتذر في فاتحة كلمتي هذه عن الصمت الذي اختفت في تلافيفه كلمة شهرين لا شهر واحد.. ولم يكن ذلك إلا لمزيج إحباط وحيرة، زجّني في صمت رجوت أن يكون ناطقًا بليغًا، ولكنه جاء سقيمًا عييًّا!..
واليوم، جاءني ما أخرجني، قسرًا لا طوعًا، من راحة الصمت إلى آلام الحديث ومأساة الحوار.
لقد كنت أظن أن المصائب التاريخية التي حاقت بأمتنا، إنما هي سقوط الأندلس، فسقوط بغداد في أيدي التتار، واحتلال الصليبيين لفلسطين، ثم هذا الاحتلال الصليبي الصهيوني الاستعماري اليوم لبغداد.
وما علمت إلا بالأمس أن المصيبة الكبرى التي اجتاحت عالمنا العربي عامة ومحيطنا السوري خاصة، ليست شيئًا مما ذكرت، وإنما تتمثل في تقاعس الأمة العربية والإسلامية إلى اليوم عن النهوض بواجب العثور على أجمل صوت غنائي تهتز طربًا له الرؤوس، في السهرات الفنية والأندية الليلية.
كان أول من نبه إلى هذا التقصير الخطير، قناة"..."إحدى القنوات الفضائية!..
فهي التي نبهت إلى أن المصيبة الكبرى تتمثل في هذا التقصير، وليست متمثلة في النزيف الذي تعاني منه الأمة لاحتلال الاستعمار الأمريكي العراق، ولا هي متمثلة في القتل الذي يستحرّ كل يوم بضحايا الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
لم تكتف القناة بهذا... بل أخذت تقرع أجراس الخطر الفني على مسامع الأمة، وأهابت بها أن تنهض نهضة ديمقراطية قدسية، من خلال وحدة شعبية متراصّة، وأن تبذل قواها متضافرة جادة، ثم تسعى سعيها لتدارك التقصير الذي تلبست به الأجيال السابقة، فتكتشف للأمة العربي جمعاء الصوت الغنائي الأول الذي سيكون إليه تشنيف الآذان، في معركة المصير التي ستدور رحاها في السهرات الفنية والأندية الليلية، حيث ستكون إليها كلمة الفصل في تحديد موقع هذه الأمة من التاريخ المقبل.
وتلاقت الأقنية الفضائية في خندق كفاحي واحد، تتابع الأصوات المرشحة، في نضال صابر دائب، حتى الرابعة صباحًا!.. ولما تم الاكتشاف، وفاز المناضلون والمكافحون والمرشَّحون والمصوتون، بالنصر المبين، إذ قدموا إلى الأمة العربية والإسلامية ضالتها المنشودة، ذات الطلعة البهية، والصوت الشجي، والجمال الفتان، تلك التي كان غيابها السبب الأول في الكوارث التي ترزح أمتنا اليوم تحت وطأتها، وقد لا تكون الأخيرة فيها نكبة فلسطين واحتلال العراق.
وقام أصحاب السيادة والريادة بأدوارهم المشرفة في ساحة هذا الكفاح المشرف!!.. فنهضوا بواجبهم الكفاحي والوطني مهنئين مصفقين.. ومواسين معزّين ومعوضين.
الأمة العربية والإسلامية تنزف.. والدم القاني المتفجر من جسمها لا يتوقف ولا يجف.. وذوي الهيبة والوقارفي الأمة، معإعلامها وأقنيتها، وشعوبها (( المهتاجة ) )المناضلة، منصرفون جميعًا إلى إيقاد الشموع الخافتة في الأندية الليلية الساهرة، يتسابقون إلى شرف تقديم أجمل صوت غنائي، لأكبر قطيع من المتطوحين بسكر المهانة والذل... حيث ترتفع الأيدي التي ربيت على فن التصفيق، ولم تُدرَّب على شرف تطهير الأرض العربية الإسلامية من الاحتلال والرجس.
أما التاريخ... فها هو ذا ماضٍ في حفر أجمل قبر لأتعس أمة. واسم القبر: (( سوبّر ستار ) ).
لغة الأرقام