الصفحة 56 من 3812

إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة ، المعاندين ، الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان . . إنما يجب أن يفرغ قلبه ، وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا . فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها . . قاعدة العقيدة . . وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة . وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم؛ وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه . وهذا كله يحتاج إلى الجهد . ويستحق الجهد . فأما الواقفون على الشق الآخر ، فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ . . وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يجري سنته ، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . إن على الحق أن يوجد ومتى وجد الحق في صورته الصادقة الكاملة ، فإن شأن الباطل هين ، وعمره كذلك قريب! (1)

جميع الكفار على باطل

قال تعالى: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) ( يونس) }

أى: إن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد ، لا يتبعون في عقائدهم وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التي ورثها الأبناء عن الآباء .

وخص أكثرهم بالذكر ، لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكنهم لا يتبعونه عنادا وجحودا وحسدا ، كما قال - تعالى - { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ } ويجوز أن يكون - سبحانه - خص أكثرهم بالذكر ، للإِشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق ، وستتبعه في الوقت الذى يريده الله - تعالى .

والتنكير في قوله { ظنا } للتنويع ، أي لا يتبع أكثرهم إلا نوعا من الظن الواهي الذى لا يستند إلى دليل أو برهان .

وقوله: { إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا } استئناف مسوق لبيان شأن الظن وبطلانه .

والمراد بالظن هنا: ما يخالف العلم واليقين ، والمراد بالحق: العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع .

أى: إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغني صاحبه شيئا من الإِغناء ، عن الحق الثابت الذى لاريب في ثبوته وصحته .

وقوله { شيئا } مفعول مطلق أى: لا يغني شيئا من الإِغناء ، ويجوز أن يكون مفعولا به على جعل يغني بمعنى يدفع .

وقوله: { إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } تذييل قصد به التهديد والوعيد .

أى: إن الله - تعالى - عليم بأقوالهم وأفعالهم ، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة ، وسينالهون ما يستحقونه من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة . وأفعالهم الفاسدة .

قال صاحب المنار ما ملخصه:"استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم اليقيني واجب في الاعتقاديات ، ويدخل في الاعتقاديات الإِيمان بأركان الإِسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية ، والإِيمان بتحريم المحظورات القطعية كذلك . . ."

أما ما دون العلم اليقيني مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به في الاعتقاد وهو متروك للاجتهاد في الأعمال ، كاجتهاد الأفراد في الأعمال الشخصية ، واجتهاد أولى الأمر في الإدارة والسياسة ، مع التقيد بالشورى وتحري العدل . .". (2) "

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة ، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولًا ، ثم بالهداية ثانيًا ، عادة مطردة في القرآن ، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: { الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } [ الشعراء: 78 ] وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه: 50 ] وأمر محمدًا صلى الله عليه وسلم فقال: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى الذى خَلَقَ فسوى والذى قَدَّرَ فهدى } [ الأعلى: 1 3 ] وهو في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضًا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى ، وهو قوله: { أمَّنْ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } [ النمل: 64 ] أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية .

واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى: { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل: 78 ] وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد ، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم ، وأيضًا فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة ، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية ، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد ، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى- حصول الهداية .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 120)

(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2113)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت