قال الطبري: (( وكنت قد ذهبت فما راعني إلا الشيخ يسرع خلفي يدعوني فرجعت إله فقال لي: لقد رأيتك تتبعنا من أول يوم، وعلمت أنك عرفت خبرنا، وقد سمعت أحمد بن يوسف اليربوعي يقول: سمعت نافعا يقول: عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر و لعلي رضي الله عنهما: إذا أتاكم الله بهدية بلا مسألة ولا استشراف نفس فاقبلاها، و لا ترداها فترداها على الله ؛ فهي هدية من الله والهدية لمن حضر ، فسر معي.
فسرت معه.فقال لي: إنك لمبارك ، وما رأيت هذا المال قط ، ولا أملته قط ، أترى هذا القميص ؟ إني والله لأقوم سحرا فأصلي الغداة فيه، ثم أنزعه فتصلي فيه زوجتي وأمها، وبناتي ، وأختاي واحدة بعد واحدة ، ثم ألبسه وأمضي أكتسب إلى ما بين الظهر والعصر، ثم أعود بما فتح الله علي من أقط وتمر وكسيرات كعك، فنتداول الصلاة فيه .
حتى إذا وصلنا إلى الدار نادى: يا لبابة يا فلانة وفلانة، حتى جئن جميعا فأقعدني عن شماله؛ وحل الهميان وقال: ابسطوا حجوركم ، فبسطت حجري ، وما كان لواحدة منهن قميص له حجر تبسطه فمددن أيديهن ، وأقبل يعد دينارا دينارا، حتى إذا بلغ العاشر قال ، وهذا لك، حتى فرغ الهميان فنال كل واحدة منهن مائة دينار و نالني مائة.
ولما أذن المغرب وحف نساء الشيخ بمائدة كموائد الناس، عليها الطيبات من الطعام، قال لامرأته:
أرأيت يا لبابة ؟ إن الله لا يضيع أجر الصابرين ، إن الله هو أرحم الراحمين ، يا لبابة، لقد منعنا أنفسنا دينارا حراما، فجاءنا الله بألف حلال . وأكل الشيخ لقيمات ، ثم قام ليخرج، فقالت له امرأته:
إلى أين يا أبا غياث؟
قال: أفتش ، فلعل في الناس فقيرا صائما، لا يجد ما يفطر عليه، فنشركه في طعامنا...
ذيل القصة:
قال الشيخ الإمام أبو جعفر محمد بن جريرالطبري:
وقد نفعني الله بهذه الدنانير فتقوت بها، وكتبت العلم سنين ، وعدت إلى مكة بعد ست عشرة سنة فوجدت البنات ملكات تحت ملوك ، وعلمت أن الشيخ توفي بعد ما فارقته بشهور، فكنت أنزل على أزواجهن وأولادهن فأروي لهن القصة، ويكرمونني غاية الإكرام.
وسألت عنهم بعد ذلك بأربعين سنة فعلمت أنه لم يبق منهم أحدا ، رحمة الله عليهم جميعا.
إنا نراك من المحسنين
حين عاش يوسف عليه السلام في السجن كان شامة بين الناس في إحسانه إليهم، وسمو أخلاقه معهم، لذا جاءه الرجلان يستفتيانه في رؤياهما، مستشهدين بما عرفاه من حاله وإحسانه للناس، واستثمر يوسف عليه السلام هذا الموقف في دعوتهم إلى توحيد الله عز وجل، وبيان حال ما هم عليه من عبادة الأرباب المتفرقين، بعد أن وعدهما بتأويل رؤياهما ناسبًا الفضل في ذلك إلى ربه عز وجل.
إن هذا الموقف تتجلى فيه نظرة الناس إلى الداعية وإحسانه إليهم في قبولهم لدعوته وسماعهم لكلمته.
ولذا فقد كان سيد الدعاة وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم متمثلًا لهذا الجانب، ومتصفًا بتلك الصفة، تقول خديجة - رضي الله عنها - في وصفه عليه الصلاة والسلام:"إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". والسيرة حافلة بأخبار من أسلم متأثرًا بما رأى من حاله صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه.
وأخبر تبارك وتعالى أن العفو ودفع السيئة بالتي هي أحسن مدعاة لأن تنقلب حال العدو إلى صديق ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ؛ لذا فالدعاة الذين يتأسون بمنهجه صلى الله عليه وسلم حري بهم أن يعنوا بهذا الجانب ويهتموا به، من ذلك:
1-الاهتمام بالناس، والاعتناء بهم، وقضاء حوائجهم، والحذر من اعتبار ذلك وقتًا ضائعًا أو على حساب الدعوة إلى الله عز وجل، وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يجد سعة لأن يهتم بحاجة رجل من الرقيق يريد العودة إلى زوجته؛ كما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن مغيثا كان عبدا فقال: يا رسول الله: اشفع لي إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يابريرة، اتقي الله ؛ فإنه زوجك وأبو ولدك"فقالت: يا رسول الله، أتأمرني بذلك ؟ قال:"لا إنما أنا شفيع"فكانت دموعه تسيل على خده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس:"ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه؟""
2-الاعتناء بالمحتاجين والفقراء وبذل المال لهم، وإيصال زكوات المسلمين وصدقاتهم إليهم، وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم طائفة من الناس أهل حاجة نهى أصحابه عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل أن يعينوا هؤلاء .
وحين قدم قوم من مضر رق لما رآه من سوء حالهم، فخطب أصحابهم حاثًا لهم على الصدقة والإحسان والبذل في سبيل الله.
3-أن يعتني الدعاة إلى الله بالمشروعات العامة التي تعين الناس وتيسر لهم أمورهم، من خلال إنفاقهم وبذلهم، أو الشفاعة لدى المحسنين، أو رفع مطالبات الناس ومتابعتها في ذلك.
4-السعي لإيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الناس، والتي زادت حدتها في هذا العصر، وعانى منها كثير من المسلمين، كالمشكلات التربوية، والمشكلات الزوجية، والخلافات والنزاعات بين الناس ؛ وخاصة أن كثيرًا ممن يتصدون لهذه المشكلات ويطرحون آراءهم للناس فيها من خلال الصحف ووسائل الإعلام ليسوا من أهل الصلاح.
5-المبادرة لإعانة الناس في الحوادث العامة والأزمات ، كالأعاصير والزلازل ونحوها، وما رأيناه في أكثر من موقف من سعي الأعداء للحيلولة بين قيام الدعاة إلى الله بالأعمال الإغاثية في الأزمات
من الموسيقى والخمر إلى الإسلام