لقد كان همه الأول والأخير أن يعيش المسلمون في عزة وكرامة، ينعمون بالخير والأمن والأمان، كتب إلى أحد أمرائه يقول: لابد للرجل من المسلمين من مسكن يأوي إليه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، وأثاث في بيته، وكان يأمر عماله بسداد الديون عن المحتاجين، وتزويج من لا يقدر على الزواج، بل إن مناديه كان ينادي في كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى استطاع بفضل من الله أن يغنيهم جميعًا.
خرج عمر راكبًا ليعرف أخبار البلاد، فقابله رجل من المدينة المنورة فسأله عن حال المدينة، فقال: إن الظالم فيها مهزوم، والمظلوم فيها ينصره الجميع، وإن الأغنياء كثيرون، والفقراء يأخذون حقوقهم من الأغنياء، ففرح عمر فرحًا شديدًا وحمد الله، وهكذا رجل من ولد (زيد بن الخطاب) يقول: (إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفًا، فما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يبحث عمن يعطيه فما يجد، فيرجع بماله، قد أغنى الله الناس على يد عمر) .
طُلب منه أن يأمر بكسوة الكعبة،كما جرت العادة بذلك كل عام، فقال: إني رأيت أن أجعل ذلك (ثمن كسوة الكعبة) في أكباد جائعة،فإنه أولى بذلك من البيت، وبعد فترة حكمه التي دامت تسعة وعشرين شهرًا، اشتد عليه المرض، فجاءه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، ألا توصي لأولادك، فإنهم كثيرون، وقد أفقرتهم، ولم تترك لهم شيئًا؟!
فقال عمر: وهل أملك شيئًا أوصي لهم به، أم تأمرني أن أعطيهم من مال المسلمين؟ والله لا أعطيهم حق أحد، وهم بين رجلين: إما أن يكونوا صالحين فالله يتولاهم، وإما غير صالحين فلا أدع لهم ما يستعينون به على معصية الله، وجمع أولاده، وأخذ ينظر إليهم، ويتحسس بيده ثيابهم الممزقة؛ حتى ملئت عيناه بالدموع، ثم قال: يا بَنِي، إن أباكم خُيِّر بين أمرين: بين أن تستغنوا (أي تكونوا أغنياء) ويدخل أبوكم النار، وبين أن تفتقروا، ويدخل أبوكم الجنة، فاختار الجنة.. يا بَنِي، حفظكم الله ورزقكم، وقد تركتُ أمركم إلى الله وهو يتولى الصالحين.
ثم قال لأهله: اخرجوا عني، فخرجوا، وجلس على الباب مَسْلَمة بن عبد الملك وأخته فاطمة، فسمعاه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قرأ: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] .
ومات عمر بعد أن ضرب المثل الأعلى في العدل والزهد والورع... مات أمير المؤمنين خامس الخلفاء الراشدين!!
المأمون بن الرشيد
اليوم يوم الخلفاء.. فقد مات خليفة، وتولى خليفة، وولد خليفة، أما الذي مات فهو الخليفة (موسى الهادي) وأما الذي تولى الخلافة فهو هارون الرشيد، أما الخليفة الذي ولد فهو المأمون، وكان هذا اليوم في سنة 170هـ.
كان المأمون أول غلام يولد للرشيد، وللطفل الأول غالبًا في نفس والده قدر من الإعزاز والمحبة؛ لذلك ظل الرشيد يحب المأمون ويؤثره كل الإيثار، خاصة أنه فقد أمه (مراجل) التي ماتت بعد ولادته بأيام قليلة، فنشأ محرومًا من عطف الأم، وكان الرشيد معجبًا بذكاء ابنه وانصرافه إلى العلم، فحين دخل على المأمون وهو ينظر في كتاب، قال له: ما هذا؟ فأجاب المأمون: كتاب يشحذ الفكرة، ويحسن العشرة، فقال الرشيد: الحمد لله الذي رزقني من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه.
وكان هارون الرشيد يفتخر دائمًا بخُلُق المأمون وشخصيته، يقول: (إني لأتعرف في عبد الله المأمون حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي، ولو شاء أن أنسبه إلى الرابع لنسبته، يعني نفسه) .
تلقى المأمون العلم على خيرة علماء عصره، فتلقى علم العربية على يد الكسائي، أحد علماء الكوفة المشهورين في القراءات والنحو واللغة، وتلقى دروس الأدب على يد أبي محمد اليزيدي وهو واحد من خيرة علماء عصره، ودرس المأمون الحديث حتى صار واحدًا من رواته، وسمع منه كثيرون ورووا عنه، وقد ساعدته على رواية الحديث ذاكرته القوية الحافظة التي كانت مضرب المثل، فيحكى أن الرشيد أراد الحج فدخل الكوفة وطلب المحدِّثين (علماء الحديث) فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين والمأمون، فحدثهما (ابن إدريس) بمائة حديث، فقال المأمون: يا عم أتأذن لي أن أعيدها من حفظي؟ فأعادها فعجب ابن إدريس من حفظه.
وشب المأمون وكل اهتمامه كان بقراءة الفقه والتاريخ والأدب والفلسفة وغيرها من العلوم، ولما جاء الوقت لكي يختار الرشيد خليفة للمسلمين من بعده، كان في حيرة من أمره، فقد كان في قرارة نفسه يحب المأمون، ويثق في قدرته على تحمل أعباء الحكم بعده، إلا أن رأيه استقر أخيرًا على أن يكون الأمين وليًّا للعهد، ثم جعل المأمون وليًّا للعهد بعد أخيه.
وبعد موت هارون الرشيد أخذ الأمين البيعة من الناس بالخلافة، ثم أرسل إلى المأمون يدعوه للسمع والطاعة، فأعلن المأمون ولاءه وطاعته لأخيه، غير أن بطانة السوء نجحوا في جعل الأمين يحول ولاية العهد إلى ابنه بدلا من أخيه المأمون، لكن المأمون رفض هذا الأمر واستطاع بمعاونة وزيره الفضل بن سهل وأكبر قواده طاهر بن الحسين أن يصبح خليفة للمسلمين.