الصفحة 586 من 3812

وهكذا كان صلاح الدين - رحمه الله - كانت حياته كلها جهاد، وكان يعود من غزو إلى غزو، ومن معركة إلى معركة، وقد استغرقت ترجمة ابن الأثير له في كتابه"الكامل في التاريخ"أكثر من 220 صفحة كلها مفعمة بالجهاد، وكانت معركة حطين من معاركه التي كتبت بأقلام من نور على صفحات من ذهب، وسطرت على جبين التاريخ شاهدة له بكل معاني الجهاد والتضحية.

صلاح الدين والقدس

يقول بهاء الدين شداد واصفًا حال صلاح الدين مع القدس:"كان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله إلا الجبال". وقال أيضًا:"وهو كالوالدة الثكلى، ويجول بفرسه من طلب إلى طلب - ويحث الناس على الجهاد، ويطوف بين الأطلاب بنفسه وينادي"يا للإسلام"وعيناه تذرفان، بالدموع وكلما نظر إلى عكا، وما حل بها من البلاء، اشتد في الزحف والقتال، ولم يطعم طعامًا ألبتة، وإنما شرب أقداح دواء كان يشير بها الطبيب، ولقد أخبرني بعض أطبائه أنه بقي من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لم يتناول من الغذاء إلا شيئًا يسيرًا لفرط اهتمامه".

وكان من كلامه - رحمه الله:"كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؟!."

همم تفادت الخطوب بها.. .. ..فهُرِعن من بلد إلى بلد

إن صلاح الدين - رحمه الله - كانت له غاية، وهو في غايته لا يرضى بدونها، إنه يتمثل قول القائل:

ونحن أناس لا توسط عندنا.. .. ..لنا الصدر دون العالمين أو القبر

تهون علينا في المعالي نفوسنا.. .. ..ومن خطب الحسناء لم يغله المهر

ولقد أراد صلاح الجنة ورضي بها مقرًا بدلًا عن الدنيا، وقدم لها المهر غاليًا رحمه الله.

وما أن أكرم الله"صلاح الدين"في حطين، حتى جاءته رسالة على لسان المسجد الأقصى جاء فيها:

يا أيها الملك الذي.. .. .. لمعالم الصلبان نكس

جاءت إليك ظلامة.. .. ..تسعى من البيت المُقَدَّس

كل المساجد طهرت.. .. ..وإنا على شرفي أُدنس

وأكرم الله بيت المقدس بصلاح الدين كما أكرم صلاح الدين ببيت المقدس ففتحه في 27 رجب عام 583هـ ، وقام القاضي محيي الدين بن زكي الدين ليخطب أول جمعة بعد قرابة مائة عام، وكان مما قال مخاطبًا صلاح الدين وجيشه:"فطوبى لكم من جيش، ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية والعزمات الصديقية، والفتوحات العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية. جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أفضل الجزاء."

أوصافه

لم يكن"صلاح الدين"رحمه الله ممن يبحث عن ألقاب زائفة، أو دنيا زائلة لكنه كان داعية حق، ورجل معركة، وصاحب عقيدة.. يقول واصفوه:"كان رحمه الله خاشع القلب، غزير الدمعة، إذا سمع القرآن الكريم خشع قلبه ودمعت عينه، ناصرًا للتوحيد، قامعًا لأهل البدع، لا يؤخر صلاة ساعة عن ساعة، وكان إذا سمع أن العدو داهم المسلمين خر ساجدًا لله قائلًا:"إلهي، قد انقطعت أسبابي الأرضية في دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل"."

ومن جميل ما ذكر عنه أنه كان يواظب على سماع الحديث، حتى سمع جزءًا من الحديث وهو واقف بين الصفين، وقال في ذلك - رحمه الله:"ذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثًا".

كانت أمنيته أن يسود الإسلام كل بلاد الأرض قاطبة .. اسمع إليه يقول:"إنه متى ما يسَّر الله تعالى فتح بقية الساحل، قسمت البلاد، وأوصيت، وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائره واتبعتهم فيها، حتى لا أبقى على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت!!!".

موته رحمه الله

ومات صلاح الدين:مات"صلاح الدين"- رحمه الله - كما مات من سبقه من البشر من الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين مرض رحمه الله في 16صفر589هـ، ووافته المنية في 27صفر589هـ، ولئن كانت روحه قد فارقت جسده، وانتقل بجسده وروحه عن دنيا الناس، إلا أن أعماله الخالدة حيّة يذكره الناس بها في كل آن، ويتطلع الناس إلى مثلها في كل مكان.

صلاح الدين الأيوبي

يا صلاح الدين.. أيها القائد العظيم.. لقد بعثك الله إلينا لتخَلِّص المسلمين من الذل والهوان.. لتعيد إليهم عِزَّتهم وكرامتهم المسلوبة.. ولتعلِّمهم أن النصر لا يتم إلا بالإيمان بالله ورسوله، وأَنَّ راياتِ الإسلام لن تُرفَع ماداموا متفرقين غير معتصمين بحبل الله.

في سنة 492هـ استولى الصليبيون على بيت المقدس، فقتلوا الأطفال واغتصبوا النساء ومثلوا بالشيوخ، وهدموا المساجد، وأحرقوا البيوت، وذبحوا الآلاف من شباب المسلمين الأبرياء، واقتحموا المسجد الأقصى، وقتلوا كل من احتمى به من

المسلمين، فقتلوا أكثر من سبعين ألفًا من أئمة المسلمين وعلمائهم وعُبَّادهم وزهادهم ممن فارقوا الأوطان، وجاوروا ذلك الموضع الشريف، ليحتموا به ظنًّا منهم أن الصليبيين لن يقتحموا الأماكن المقدسة.

وبعد هذه المذبحة الوحشية التي حدثت في المسجد الأقصى، أمروا الأسرى فغسلوا شوارع المدينة الملطخة بدماء المسلمين، ودموعهم تنهمر من أعينهم، وظل المسلمون ينتظرون مجاهدًا من مجاهدي الإسلام ينقذ بيت المقدس من أيدي الصليبيين، وبعد حوالي 40 سنة من الزمان، وفي سنة 532هـ ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب من أسرة كردية عريقة الأصل، في بلدة صغيرة من بلاد العراق تسمى (تكريت) وتولِّى والده ولاية (تكريت) في نفس الليلة التي وُلِد فيها صلاح الدين؛ لإخلاصه لـ (عماد الدين زنكي) أتابك الموصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت