فهرس الكتاب
كما كان مجلا لحفظة القرآن الكريم , وقد مر يوما على صبي صغير بين يدي أبيه , وهو يقرأ القرآن , فاستحسن قراءته , فأوقف عليه وعلى أبيه مزرعة .
وسادس تلك المآثر محافظته على الصلوات الخمس في أوائل أوقاتها حتى قال عنه ابن شداد: فما رأيته صلى إلا في جماعة , ولم يؤخر له صلاة من ساعة إلى ساعة , وكان له إمام راتب ملازم مواظب , فإن غاب يوما صلى به من حضره من أهل العلم , إذا عرفه متقيا متجنبا للإثم .
وكان يواظب على السنن الرواتب , وكان له ركعات يصليها إن استيقظ بوقت من الليل , وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح , وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه , وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى .
وسابع تلك المآثر ورعه وعفته وتواضعه , فكان لا يلبس إلا ما يحل لبسه , وتطيب به نفسه كالكتان والقطن والصوف , كما كانت مجالسه مصونة من الحظر , ومنزهة من الهزء والهزل , آهلة بأهل الفضل , وما سُمعت له قط كلمة تسقط , ولا لفظة فظة تسخط , وكان من جالسه لا يعلم أنه جليس السلطان , بل يعتقد أنه جليس أخ من الإخوان , وكان حليما مقيلا للعثرات , متجاوزا عن الهفوات تقيا نقيا وفيا صفيا .
يقول أحد المرافقين له: ولقد كان يسمع من المستغيثين إليه والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع , ويلقى ذلك بالبشر والقبول0
ومع ذلك كان يغضب للكبائر , ولا يغضي عن الصغائر , متشبها برسول الله الذي ما غضب لنفسه قط , وما كان يغضب إلا إذا انتهك حد من حدود الله , ويرشد إلى الهدى , ويهدي إلى الرشاد , ويسدد الأمر , ويأمر بالسداد ,وكان مماليكه وخواصه بل أمراؤه وأجناده أعف من الزهاد .
قال ابن شداد: وأما صبره فلقد رأيته بمرج عكا , وهو على غاية من مرض , اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبته , بحيث لا يستطيع الجلوس , وإنما يكون متكئا على جانبه إذا كان في الخيمة , وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس , وكان يأمر أن يفرق على الناس , وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر , يطوف على الأطلاب , ومن العصر إلى صلاة المغرب , وهو صابر على شدة الألم , وقوة ضربان الدماميل , وكنا نعجب من ذلك , فيقول ـ رحمه الله ـ إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل , قال: وهذه عناية ربانية.
وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بالخير , وطاهر السمع , فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا بالخير , وطاهر اللسان , فما رأيته أولع بشتم قط , وطاهر القلم , فما كتب بقلمه أذى لمسلم قط , وكان حسن العهد والوفاء , وكان ما يرى شيخا إلا ويرق له , ويعطيه ويحسن إليه , ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله عز وجل إلى مقر رحمته ومحل رضوانه.
تلكم بعض مآثر صلاح الدين الأيوبي جمعت في طياتها الأسوة لكل أمير أو مجاهد أو عابد أو ثري يبتغي الرشاد إلى طريق العزة والنصر والتمكين في الدنيا , ومرضاة الله في الآخرة .
سيف الدين قطز
ازداد خطر التتار، وأصبحت مصر مهددة بغزوهم بعد أن نزل (هولاكو) قائد التتار بجيوشه إلى بغداد في سنة 656هـ، فقتل مئات الألوف من أهلها، ونهبوا
خزائنها، وقضوا على الخلافة العباسية، ثم قتلوا الخليفة المستعصم بالله وأفراد
أسرته، وكبار رجال دولته.
امتد زحفهم إلى بلاد الجزيرة، واستولوا على (حرَّان) و (الرُّها) و (ديار بكر) ونزلوا على (حلب) في سنة 658هـ، فاستولوا عليها، ووصلوا إلى دمشق، فهرب سلطانها (الناصر يوسف بن أيوب) ثم دخلوا المدينة بعد أن استسلم أهلها، وواصل التتار زحفهم، فوصلوا إلى (نابلس) ثم إلى (الكرك) وبيت المقدس، وتقدموا إلى (غزة) دون أن يقاومهم أحد، ولم يبْقَ غير اليمن والحجاز ومصر، التي كان يتولى عرشها في ذلك الوقت المنصور على بن عز الدين أيبك، وكان صغيرًا لم يتجاوز عمره خمس عشرة سنة، ولم يكن قادرًا على تحمل أعباء الملك في هذه الظروف العصيبة؛ لذلك طلب علماء الإسلام من قطز أن يتولى العرش مكانه؛ لإنقاذ مصر والبلاد الإسلامية من خطر التتار.
ووصلت رسالة إلى قطز من زعيم التتار (هولاكو) وكانت الرسالة مليئة بالتخويف والتهديد، ومن بين ما جاء فيها: (... فلكم بجميع البلاد معتبر وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم، وأسلموا إلينا أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى ولا نرق لمن شكا، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب، فأي أرض تأويكم، وأي طريق ينجيكم، وأي بلاد تحميكم؟!) .
جمع قطز الأمراء بعد أن استمع إلى الرسالة، واتفق معهم على قتل رسل هولاكو فقبض عليهم واعتقلهم وأمر بإعدامهم، ثم علق رءوسهم على (باب زويلة) كان هذا التصرف من جانب قطز يعني إعلانه الحرب على التتار، فجمع القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم وأخذ رأيهم في الجهاد، وفي دار السلطنة بقلعة الجبل حضر العالم الكبير الشيخ (عز الدين بن عبد السلام) ، والقاضي (بدر الدين السنجاري) قاضي الديار المصرية، واتفق الجميع على التصدي للتتار والموت في سبيل الله.