فهرس الكتاب
ولصحبته لأبي حنيفة قصة يرويها لنا (أبو يوسف) فيقول: كنت أطلب الحديث والفقه عند أبي حنيفة، وأنا مقل (يعني قليل المال) رث الحال والهيئة، فجاءني أبي يومًا فانصرفت معه، فقال لي: يا بني، لا تمد رجلك مع أبي حنيفة (أي لا تذهب إليه) فإن أبا حنيفة خبزه مشوي (يقصد أنه غني وقادر على أن يعيش عيشة كريمة) وأنت تحتاج إلى معاش (عمل حتى تنفق على نفسك ولا تنقطع للعلم) ، فقصرت عن كثير من الطلب (أي طلب العلم) وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه؛ فقال لي: ما شغلك عنا ؟ قلت: الشغل بالناس وطاعة والدي، وجلست حتى انصرف الناس، ثم دفع لي صرة وقال: استمتع بها.
فنظرت فإذا فيها مائة درهم وقال: الزم الحلقة وإذا أفرغت هذه (إذا أنفقتها) فأعلمني، فلزمت الحلقة، فلما قضيت مدة يسيرة، دفع إليَّ مائة أخرى، ثم كان يتعهدني (يرعاني) وما أعلمته بقلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكأنه يخبر بنفادها وظل كذلك حتى استغنيت.
ولم يكن لأبي حنيفة تلميذ في نجابة أبي يوسف وذكائه، فقد استمر في تلقي العلم حتى حفظ التفسير والحديث والمغازي وأيام العرب، وسار أبو يوسف على نهج أستاذه أبي حنيفة في الفقه، إلا أنه كانت له اجتهادات خاصة به، وألف كتبًا كثيرة أشهرها كتاب (الخراج) وهو رسالة في إدارة المال العام والقضاء، وقد قربه الخليفة (هارون الرشيد) إليه، وولاه القضاء، ومنحه لقب قاضي القضاة، وكان يستشيره في أمور الدين والدنيا.
وفي عام (182هـ) مات أبو يوسف وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنني لم أجر في حكم حكمت فيه بين اثنين من عبادك تعمدًا، وقد اجتهدت في الحكم بما وافق كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وكلما أشكل عليَّ أمر جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، ومات الفقيه أبو يوسف، فحزن عليه الناس جميعًا؛ وقال صديقه أبو يعقوب الحريمي: (اليوم مات الفقيه) .. فرحم الله أبا يوسف وأسكنه فسيح جناته.
الإمام الشافعي.. شمس الدنيا وعافية البدن
إمام العباقرة ، وعبقري الأئمة ، له في العلم سبب ، وفي البيت نسب، وفي المروءة حسب.
سألت قريحته فتفجرت أنهار الحكمة من على لسانه، وساقت رياح التوفيق سحب علمه فسألت أدوية بقدرها . ذاكرته أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين .
الشافعي أخذ من الأثر روحه ، ومن الفقه خلاصته، ومن البيان ناصيتة ومن الشعر حلاوته ، ومن المجد ذروته .
قعّد للعلماء القواعد فغضب عليه أعداء الشريعة لأنهم رضوا بأن يكونوا مع القواعد ، فخَرَت به قريش ، وتبجحت به العراق ، وخرجت إليه مصر ، حاور محمد بن الحسن فقطع أزراره ، ورد على المريسي فأطفأ ناره ، وجاور أحمد فشكر جواره .
الشافعي لدنيا العلوم شمس ، ولأبدان الأخبار عافية ،ولليل المدلهم قمر، في الشرع شعرُه ، في الحق بذلُه ، للآخرة طلبُه ، لله سعيه ، لما خرج إلى البلاد لبست بغداد الحداد وأمست في سواد .
الألفاظ سكر ، والقصد نضيد ، حفر لحدًا للملاحدة ، وعزل في زنزانة الإحباط المبتدعة ، ورد الأباطيل في جوه أهل التعطيل ، إن سألنا عن أهل الكلام فالجريد والنعال . وأهل السنة: رواد الجنة . والفلاسفة: أهل سفه . ومالك: نجم الممالك . وأحمد بن حنبل: زرع سنبل.
أتاه المال ففر منه إلى العلم ، وأتته الدنيا فهرب إلى الآخرة تعلم الفراسة في اليمن ، فكشف أهل الزيغ والأفن، تدجج بالحجج فألحم الدجاجلة ، وصال بالأصول على أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم.
درس الطب فمرض جسمه ، و داوى الناس فزاد غُنمه .
المروءة عنده ولولا الشعر بالعلماء يزرى ، التواضع: أحب الصالحين ولست منهم .
ميزة الشافعي: التفرد ، ومنقبته التجرد ، تفرد في الفهم ، فعصر من زهر الذهن رحيقًا ، وتجرد للحق فنسج من بز الشريعة ثوبًا سابغًا .
فاح طيب ذكره في الأنوف ، فيا فرحة من شم ، وهزم الباطل فكأنه شم عطر منشم، الشافعي شهاب ثاقب أُحرقت به شياطين الإنس ولهم عذاب واصب
يا ابن إدريس أيا الشهم الأجلّ أنت سيف الحق في العلياء سُلّ .
مسكين من جادل الشافعي وناظره ، مسكين من عارضه وكابره ، مسكين من عرفه وما ذاكره .
درس محمد بن إدريس علوم محمد صلى الله عليه وسلم فترك علمًا لا يغسله الماء ولا تطفئه الريح ولا يلفه الظلام ، ولا ينسيه الدهر ، الرسوخ في يسر ، العمق في سهولة ، الأصالة في إشراق ، البراعة في نصوع .
أهل فارس يعرفونه ، وأهل الصين يذكرونه ، وأهل الأندلس يمدحونه ، وأهل الباطل يبغضونه .
إذا مرجت الآراء بزغ رأي الشافعي كالنجم الثاقب ، إن تكلم أسكت الخطباء ، وإن أنشد صمت الأدباء والبلغاء ، أحب الملة فأمهرها روحه ، وعشق العلم فأعطاه عمره ، وأخلص للرسالة ففاضت لها نفسه، فهو عاشق المُثُل ، سامي المقاصد ، رجل المروءات ، ناشر السنة بين أهلها ، وناصرها على أعدائها ، وحافظها لمحبيها ، وشارحها لناقليها .
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
ورث أنوار الرسالة ، فألف للأمة الرسالة ، مات أبوه فكفلته الأم ، فقدم للناس كتاب الأم ، إذا نطق الشافعي فكأن السيل أقبل ، والفجر بزغ والنور سطع ، صحة مخارج ، حلاوة لفظ ، قوة حجة ، براعة دليل ، سلامة إنشاء ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [الجمعة:4]
في الفقه إمام، في النقل حجة ، في النسك علَم ، في اللغة أستاذ في الذكاء آية .
سرت به أمة من غزة فسبحان الذي أسرى ، وعاش في مكة لينفع أم القرى .