الصفحة 630 من 3812

رحل سيبويه إلى البصرة، فنشأ بها، وكانت لديه رغبة شديدة في تحصيل العلم؛ فبدأ يتعلم الحديث والفقه ولازم الفقهاء وأهل الحديث، ثم أخذ يتلقى العلم على أيدي العلماء، فتعلم على يد (حماد ابن سلمة) مفتي البصرة وأحد علماء عصره، كما تعلم على يد (الأخفش الأكبر) وهو من أئمة اللغة والنحو، فأخذ عنه سيبوبه اللغة وشيئًا من النحو، أما (الخليل بن أحمد) فقد كان المعلم الأكبر لسيبويه، حتى إنه دخل على الخليل ذات مرة، فقال له: مرحبًا بزائر لا يُمل، وكان يحب سيبويه كثيرًا ويفسح له صدره.

ظل سيبويه على هذه الحال حتى أصبح معلمًا، وأصبح له تلاميذ يلتفون حوله ويأخذون منه، ويكتبون عنه، وكان من تلاميذه (أبو الحسن الأخفش) وقد ألف سيبويه كتابًا عظيمًا في علم النحو سماه (الكتاب) جمع فيه كل ما سمعه من أستاذه (الخليل بن أحمد) وغيره من العلماء في هذا العلم، واشتهر بعده بـ (كتاب سيبويه) الذي يعده العلماء دستورًا لعلم النحو وقانونًا لقواعده، ومن شدة اعتزاز الفَرَّاء -وهو أحد كبار علماء النحو- بهذا الكتاب أن الناس وجدوا عند موته وتحت وسادته (كتاب سيبويه) !!

وقد أفاد سيبويه الكثيرين بعلمه، حتى وصل علمه إلى عامة الناس الذين أخذوا عنه، وتعلموا منه الفصاحة.. يحكي أن رجلًا قال لسماك (يبيع السمك) بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان.. فضحك الرجل مستهزئًا من السماك لأنه رفع المجرور.

فقال السماك: ويلك أنت أحمق، لقد سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان!!

وقد أصيب سيبويه بمرض قبل وفاته، وفي أثناء مرضه، وجده أخوه -يومًا- متعبًا قد اشتد عليه المرض، فبكى وتساقطت دموعه على وجه سيبويه، فرآه سيبويه فأنشد يقول:

يَسُرُّ الفَتَى مَا كَانَ قَدَّمَ مِنْ تُقَى إِذَا عَرَفَ الدَّاءَ الذي هُوَ قَاتِلُهْ

وعند مماته أخذ ينصح أصحابه ومن حوله قائلًا:

يُؤمِّل دُنْيَا لِتَبْقَى لَهُ فَمَات المؤَمِّلُ قَبْلَ الأَمَلْ

حَثِيثًا يُرَوِّي أُصُولَ النَّخِيلِ فَعَاشَ الفَسِيلُ وَمَاتَ الرَّجُلْ

ومات سيبويه سنة 180هـ بعد أن ترك ثروة كبيرة من العلم، لينتفع بها الناس في كل زمان ومكان.

شكيب أرسلان

وُلِدَ شكيب أرسلان في ليلة الاثنين التي توافق أول ليلة من رمضان سنة 1286هـ وسماه أبوه باسم شكيب، وهي تعني بالفارسية (الصابر) وهو ينتمي إلى أسرة عريقة تعيش في قرية الشويفات التي تبعد عن بيروت قرابة عشرة أميال، ولما بلغ شكيب الخامسة من عمره أحضر له أبوه معلمًا ليعلمه مبادئ القراءة والكتابة، ثم حفظ قدرًا من القرآن، ثم دخل مدرسة الأمريكان في بلدته الشويفات؛ فنال قسطًا من العلوم واللغة الإنجليزية، ثم التحق بمدرسة الحكمة في (بيروت) عام 1297هـ/ 1879م وتلقى فيها دروس اللغة العربية على يد (الشيخ عبد الله البستاني) اللغوي المعروف.

ولم يكن شكيب أرسلان كغيره من الصبية، فقد كان يملك شعورًا فياضًا، وحسًّا مرهفًا، وعاطفة قوية، فبدأ يكتب الشعر وهو في هذه السن المبكرة، ثم رحل إلى (مصر) سنة 1308هـ/ 1890م والتقى بالشيخ (محمد عبده) والشيخ (علي يوسف) صاحب جريدة المؤيد، كما كانت له علاقات أدبية مع كبار الشعراء في مصر أمثال: أمير الشعراء (أحمد شوقي) و (البارودي) .. وغيرهما؛ فتأثر بهم، واستفاد منهم.

نظر شكيب أرسلان حوله فوجد العالم الإسلامي مصابًا بداء التخلف والجهل، بينما تعيش البلاد الأوربية وأهلها عيشة هانئة؛ فأخذ يقلب صفحات التاريخ، ويستنطق الماضي العظيم يوم أن كان المسلمون طليعة موكب الحضارة يأخذون بأيدي الأمم نحو التقدم والازدهار، ويفد إلى بلادهم طلاب العلم من كل مكان، يتعلمون منهم وينقلون عنهم، ثم يرجعون إلى بلادهم التي أصابها الجهل وعمها الظلام، فينشرون العلم الذي تعلموه على أيدي المسلمين، وضع شكيب أرسلان يده على جبهته، وأخذ يفكر ويسأل نفسه:

ما هي الأسباب التي أدت إلى ضعف المسلمين؟‍!

لماذا تأخروا وتقدم أهل أوربا رغم أن الإسلام دين العلم والعمل؟!

هل سر ضعف المسلمين وتأخرهم يرجع إلى ابتعادهم عن دين الله وعدم التزامهم بأوامره؟!

كيف يمكن أن يلحق المسلمون بركب الحضارة مع المحافظة على دينهم الإسلامي الحنيف؟!

أسرع (شكيب أرسلان) إلى قلمه وأوراقه، وأخذ يجيب عن كل هذه التساؤلات التي تحيره وتقلقه؛ فرأى أن المسلمين إذا أرادوا أن يصعدوا إلى أعلى درجات سلم المجد فالحل هو الجهاد بالمال والنفس، وأن خير وسيلة للوصول إلى المعرفة العلمية والدينية والأخلاقية هو الالتزام بما جاء في كتاب الله؛ القرآن الكريم، وإذا أراد المسلمون أن يتقدموا إلى الأمام، فعليهم أن يكفوا عن الكلام ويسارعوا إلى العمل.

ورأى شكيب أرسلان أن العدو الأول للإسلام والمسلمين هو الجهل، وأن ارتفاع نسبة الأمية هي السبب في تأخر المسلمين، وعليهم أن يحاربوه بكل ما يملكون، وفي النهاية استطاع شكيب أرسلان أن يقدم للمسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي كتابًا من أعظم الكتب وهو (لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم) بأسلوب سهل ممتع؛ لكي يوقظ الأمة الإسلامية من سبات الجهل والتأخر.

ولم يكن هذا الكتاب وحده الذي كتبه أمير البيان شكيب أرسلان بل كتب كتبًا عديدة عن الإسلام والمسلمين تصل إلى خمسين كتابًا لا يزال بعضها غير مطبوع من أهمها كتاب (حاضر العالم الإسلامي) و (تاريخ غزوات العرب) و (الحلل السندسية في الحلة الأندلسية) و (عروة الاتحاد بين أهل الجهاد) .. وغيرها من الكتب والمقالات والدراسات العديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت