الصفحة 653 من 3812

وقد تسألون وتقولون: لم تحدثنا عن الشهادات العلمية التي نالها الشيخ من الجامعات العربية والأجنبية.. فما هي تلك الشهادات؟ وأجيب: كان الشيخ فوق كل تلك الشهادات.. لم ينل شهادة قطّ منها، ولم يدرس في جامعة قطّ، وكان أساتذة الجامعات وحملة الشهادات تلاميذ عنده، واسمعوا ما قاله أديب العربية الشيخ علي الطنطاوي فيه، وكانت له صلة وثيقة به، ومعرفة عميقة بعلمه وأدبه وأخلاقه، وكانت لهما مجالس علم وأدب وسمر قال:"فعليكم بالبقية الباقية من أقطاب الأدب، أطلقوا أيديهم في مناهج العربية وكتبها، لا تجعلوا الشهادات وحدها هي الميزان، فإن كثيرًا ممن أعرف اليوم ذوي معرفة بالأدب العربي الحق، ممن درس كتبه الكبرى، كالكامل للمبرد، والأمالي للقالي، لم يكونوا يحملون شهادة، وإن كان يقعد بين أيديهم ويتلقّى عنهم، حملة الشهادات من أساتذة الجامعات، من هؤلاء الذين أعرفهم: محمود محمد شاكر في مصر، وعبد الغني الدقر في الشام"ذكريات: 8/302.

لقد كان الشيخ عبد الغني ذا اطلاع واسع على الكتب، مخطوطها ومطبوعها، وخاصة تلك التي لها صلة بالأدب واللغة والنحو والرجال، إنه قارئ من الطراز الأول، لا يكاد يضاهيه في القراءة سوى زميله العلامة الشيخ نايف عباس، يقرأ من بعد صلاة الفجر، حتى قبيل الغروب، يقرأ، ويقرأ، ويقرأ، وينتقد، ويعقّب، ويستدرك، ويصحح، ويقول عن نفسه: (لا أستسلم لكتاب أو رأي) حتى وصفه شيخ القراء في الشام الشيخ محمد كريّم راجح، بالعالم الحر، ونقول فيه ما قاله هو في رثاء شيخه وزميله العلامة الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت:"لقد كان عالمًا حقًا. وحسبُه من نعوت الكمال أن تكون هذه صفته، وما أندرها فيمن ينتسبون في هذا العصر إلى العلم"، تاريخ علماء دمشق: 2/829 وكذلك كان الشيخ عبد الغني؛ فقد كان آية في فهم اللغة العربية، يتكلم فيخرج الحرف من مخرجه، مشتملًا على صفته، كأنه جاء من خيام ربيعة ومضر.

وكان فقيهًا حرًا، مع أنه شافعي المذهب، ولكنه يكره التعصب للمذهب، والمتعصبين من الفقهاء، يقدّم رأيه ولا يفرضه على غيره، يأخذ من الجميع ثم يعود إلى رأيه المصحوب بالدليل الصحيح الثابت من السنة المطهرة.

لقد كان الشيخ عبد الغني ألبَّ لبًّا، وأوسع ثقافة، وأسرع لَقنًا وأحضر بديهة، وأقوم أسلوبًا، وأدق بحثًا، من كثير ممن تملأ كتبهم واجهات المكتبات، وتسبق ألقابهم أسماءهم، وتُعلّق النياشين على صدورهم، ولو شاممتهم لرأيتهم في المصلين، وعبد الغني في المجلين، ولكن الأرزاق مقسومة، مالًا، وشهرة، وكتبًا، ومناصب..

صفاته:

كان ربعة بين الرجال، ممتلئ الجسم، أبيض أشقر، مع حمرة حلوة تشوب بياض خدّيه، أزرق العينين الحالمتين، أنيقًا في لباسه وهندامه، تعلو هامته عمامة مطرزة، كعمامتي أبيه وأخيه الكبير الشيخ أحمد، وهي عمامة التجار التي تكون على طربوش أحمر، تمييزًا لصاحبها من عمامة العلماء التي هي من شاش أبيض على طربوش أحمر.

وكان ظريفًا، صاحب نكتة، ضحكه ابتسام، فيه كثير من الاحتشام، وقد تفرض النكتة الباهرة ضحكة فيضحك حتى لتكاد عمامته تقع عن رأسه المزيّن بشعر أشقر، ويصير وجهه كقرص الشهد، بل ربما احلولى فكان أحلى وأحلى..

وكان لطيفًا دمثًا، متواضعًا مع سائر الناس، ومعنا نحن طلابه وتلاميذه، تراه يجلس في (دار القلم) بدمشق على كرسيّ صغير من القش، يشرب الشاي مع أبناء صاحب الدار، وكانوا فتية صغارًا يمازحهم وينصحهم وكان قليل الكلام، عفيف اللسان، ويأمر أصدقاءه وتلاميذه وإخوانه بعفة اللسان، ويشتدّ على بعضهم ممن عُرف بسلاطة اللسان، وتجريح الأشخاص والهيئات، وكان يكره التدخين، ويتناءى عن المدخنين، وينصحهم بالإقلاع عنه،ولقد شهدته أكثر من مرة، مع أستاذين كريمين لي ينصحهما، ويشتد عليهما في النصح، من أجل ترك التدخين، ومن أجل بذاءة اللسان.

وكان كريمًا، محبًا للناس، عطوفًا على الفقراء والمساكين، وعلى الأرامل والأيتام، وقد استأثر حبّ النبيّ الكريم بمجامع قلبه، وكثيرًا ما رآه في رؤاه، وعندما زار قبره الشريف، فاضت عيناه بالدموع الحرار الغزار، وأرتج عليه، فصار يتمتم وهو الكليم.

كان طلق المحيا واللسان ، دؤوبًا على طلب العلم ، صابرًا على استنباط الأحكام ، وفهم ما يشكل على العلماء من أمثاله، متسامحًا مع المخالفين له في الرأي، ويتمتع بأسلوب تحليلي قائم على البرهان والدليل، وكان الكتاب جليسه وأنيسه حتى وفاته، وكان بعيدًا عن الأضواء، ويؤثر عليها كتابه وأصدقاءه وتلاميذه وبيته، وكان يجيد السباحة، والرماية، وركوب الخيل، ويحب الصيد.

المعلم:

ذكرنا أن مدير مدرسة التجارة عيّنه معلمًا فيها، مع أنه كان دون الثانية عشرة من العمر، ثم إن أباه الذي علّمه وخبره ثم وثق بعلمه، انتدبه لتعليم النحو، وهو في الخامسة عشرة، فدرّس تلاميذه عددًا من كتب النحو، مثل: الآجرومية للأزهري، وقطر الندى، وشذور الذهب لابن هشام، وشرح ألفية ابن مالك في النحو لابن عقيل.

ثم انتقل مدرسًا للأدب في (معهد العلوم الشرعية الإسلامية) التابع للجمعية الغراء، وكنت واحدًا من تلاميذه، وأفدت منه علمًا وأدبًا وأخلاقًا، ولي معه ذكريات حميمة، ما أحلاها من ذكريات، قد أنشرها في غير هذا المقام، فهو الذي رغبنا في الأدب، وحببنا باللغة العربية التي كان يعشقها كما يعشق دمشق، بل أكثر، وكان يوصينا باقتناء الكتب، ومنها كتب المنفلوطي التي تربيت أنا على أسلوبه في بداية حياتي الأدبية، وقد أوصانا بأن يكون (مختار الصحاح) في أيدينا وجيوبنا، ليصحبنا حيث نكون، نديم النظر في مفرداته، لنكوّن أسلوبنا الخاص، وليكون لنا معجمنا الخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت