الصفحة 668 من 3812

( ....وفي ليلة 2 أيار 1948 وفيما كانت طلائع المجاهدين تتقدم نحو المستعمرتين الآنفتي الذكر، فوجئنا بقدوم عدد من الرجال المسلحين، أكد لنا الحرس أنهم من العرب، وأنهم يريدون المساهمة في الجهاد والانقضاض على المستعمرين.. وجدنا أنهم(قوة سورية) مؤلفة من 150 رجلًا من الشبان.. وكان على رأس القوة الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله في لباس الميدان متمنطقًا سلاحه للجهاد في سبيل الله، فهلل المجاهدون ورحبوا بإخوان الجهاد. وقبيل خوض المعركة حاولنا إبقاء الشيخ مصطفى في مقر القيادة بعيدًا نسبيًا عن أرض المعركة، كما سعيت شخصيًا للاحتيال على الشيخ وإبقائه في القيادة، للقيام بأعمال خطيرة ومهمة، لكنه أبى ورفض وأصر على خوض غمار المعركة مهما كلف الأمر، وقال: إنه لم يحضر من دمشق إلا بنية الشهادة في سبيل الله.. وصمم على أن يشترك بنفسه في الطليعة، فكان له ما أراد، فخاض المعركة ورفاقه ببطولة، وانتهت المعركة بنصر مؤزر. .. ).

في معركة كفار عصيون التي استمرت عامًا كاملًا بشكل مناوشات ومواجهات مستمرة بين العرب ويهود من منتصف عام 1947 حتى منتصف أيار 1948 حيث كانت في هذا الشهر المعركة الحاسمة التي اشتركت فيها كتيبة الإخوان السوريين يقول الأستاذ الشيخ زهير الشاويش الذي اشترك في تلك المعركة: »وفي هذه المعركة الكبيرة كان لمجموعتنا شرف المشاركة فيها بقيادة الأستاذ مصطفى السباعي، وكان حضورنا إلى أرض المعركة في اليوم الثاني على بدئها... وانتهت المعركة باستسلام اليهود وتحرير المنطقة.. وكانت خسائر اليهود كبيرة جدًا... وبعد أن رجع الأستاذ السباعي رحمه الله إلى الروضة كان مع مجموعته بعض الأسرى من اليهود المقاتلين، وأما الباقون فقد جرى السماح لهم بالذهاب إلى القدس.«

لم تكن قضية فلسطين، قضية عادية عند السباعي، فهو الزعيم القائد الذي قرن القول بالعمل فطاف أنحاء البلاد من أدناها إلى أقصاها يلقي الخطب الحماسية يثير بها الجماهير المؤمنة في كل مكان، ويأخذ عليها العهود والمواثيق بأن تبذل لفلسطين الإسلامية كل غال، وقد كان ذلك عقب الإفراج عنه سنة 1943 وقد نشرت صحف دمشق وغيرها من الصحف العربية يومئذ أنباء هذه الجولات والمظاهرات التي كان يقودها عقب كل خطاب في كل مدينة وقرية في أنحاء سورية. كما نشرت هذه الصحف محاضراته وخطبه وأحاديثه.

وفي عام 1948 ولدى اعتراف الأمم المتحدة بشرعية دولة إسرائيل في فلسطين، انطلق السباعي يجوب المدن السورية ويدعو إلى التطوع لإنقاذ فلسطين، واندفع في مقدمة الركب يقود كتائب الشباب المؤمن من جماعة الإخوان المسلمين الذين رباهم على مبدأ (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) ، وفي أرض المعركة تم لقاء كتائب إخوان سورية بكتائب إخوان مصر، والتقى السباعي بالبنا وتعاون القائدان ووضعا خطة مشتركة للمعركة، وتوزعا أماكن القتال، واستمر مجاهدو الإخوان يقاتلون ببسالة وشجاعة بقيادة الدكتور السباعي حتى صدرت الأوامر العليا بالانسحاب.

وعلى مر الأيام والسنين لم ينس السباعي القضية الفلسطينية، فدعا إلى تخصيص أسبوع من كل عام باسم (أسبوع الخطر الصهيوني) تقام فيه المهرجانات الشعبية في سائر أنحاء البلاد، وبدأ هذا المشروع عام 1955، ودعا فيه قادة الحركة الإسلامية في الوطن العربي للاشتراك في هذا الأسبوع، وطاف معهم في شتى أنحاء البلاد يتحدثون عن الخطر الصهيوني، ويقودون المظاهرات الشعبية لمطالبة الحكومات والمسؤولين بإعداد الشعب للمعركة واتخاذ كافة الاستعدادات لمعركة التحرير.

كما طالب وإخوانه في المجلس النيابي بتدريس القضية الفلسطينية كمادة أساسية في منهج التعليم، وقد أقر هذا الاقتراح ونفذ بالفعل، حتى تم تجاوزه في المناهج الدراسية في سورية بعد عام 1963 تمهيدًا لما سيأتي بعد !!

السباعي في المجلس النيابي:

انتخب السباعي نائبًا عن دمشق في الجمعية التأسيسية التي تحولت بعد وضع الدستور إلى برلمان (1949 ـ 1954) ، وكان أهلًا لهذه الثقة وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق يقارع الباطل والفساد ولا يهادن، فاتجهت إليه الأنظار، والتفتت حوله القلوب داخل البرلمان وخارجه انتخب نائبًا لرئيس المجلس، وأصبح عضوًا بارزًا في لجنة الدستور العامة، وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، وقدموها إلى اللجنة العامة لإقراره بعد أن ضمَّنه مواد إسلامية رائعة. وقد تبنى مصطفى السباعي في البرلمان السوري حركة العمال ودافع عن حقوقهم وطالب برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي، وتبنى مطالبهم في مجلس النواب، وطاف القرى وعاش مع الفلاحين وعرف مشاكلهم وطالب برفع مستواهم وإنصافهم. كما قام بإنشاء المعاهد والمدارس، وساهم في تأسيس عدد من الأندية الرياضية في جميع المحافظات السورية، وتأسيس عدد من اللجان لجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين والأسر الفقيرة.

وقد بذلت له العروض المغرية للدخول في الوزارات المتعاقبة فأبى مؤثرًا العمل الشعبي والبقاء بين الجماهير يعيش مشكلاتها وقضاياها عن الانشغال عنها بالمناصب والمغانم.

السباعي والشيشكلي:

ويحدثنا أخوه في الإخوان المسلمين الشيخ محمد المجذوب فيقول:

( .... وكان الفقيد العظيم أشد الناس بغضًا للانقلابات العسكرية ، لإيمانه أن السبيل الوحيدة للإصلاح ، أيًا كان، إنما هو الفكر الحر والمنطلق العلمي المبني على الحجة المفحمة .. وهذا ما دفعه إلى استنقاد مجهوده في سبيل إقناع أديب الشيشكلي بإعادة الحياة البرلمانية إلى البلاد ، بعد تلك الاندفاعة الحمقاء التي قوض بها العهد الدستوري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت