فهرس الكتاب
كان السباعي رحمه الله عالمًا وداعية وسياسيًا استطاع أن يقود حركة الإخوان المسلمين في سورية في ظروف كثيرة التقلب بالغة التعقيد، ولكنه كان دائمًا يبرز هذه الحركة متشابكة في نسيج المجتمع السوري بأبعاده كافة الإسلامية والاجتماعية والسياسة. كما أنه قاد على الصعيد الإسلامي حركة إصلاح ديني فقاوم البدع والتقاليد البالية، وارتقى بالخطاب الإسلامي إلى مستوى العصر الذي يعيشه المسلمون، وأعطى الدعوة من روحه وعقله وعصبه مما أهلها أن تكون من الحركات الإسلامية المؤثرة في العالم العربي والإسلامي.
توفي السباعي إثر مرض ألم به يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام 1964.
ولنقرأ ماكتبه الشيخ محمد المجذوب يرحمه الله أحد إخوة الشيخ السباعي المعاصرين له ، والذين لهم تفاعل مباشر معه ..يقول واصفًا جنازته يرحمه الله:
( ....ووصلت دمشق ظهر اليوم التالي ، ولم أعرف مكان الجثمان إلا من انقطاع حركة المواصلات في شارع مدحت باشا . وسرعان ما ابتلعني موكب الجنازة العزيزة كقطرة الماء لامست السيل الهادر، الذي ما لبث أن ملأ شارع الحميدية حتى قلب الجامع الأموي .. وأبت دمشق الوفية المؤمنة أن تحمل السيارة جسد البطل الذي طالما هز منابرها وأثار عزائمها وحفز شبابها لاستعادة مكانتها في خدمة الإسلام ، وتحرير أرض الإسلام ، فإذا هي تتداول نعشه على الراح حتى المقبرة ، التي ضمت من قبله أجساد الأباة من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وتابعي تابعيهم من أعلام الهداة .
وفي غمرة الأنين والنشيج وانطلاقات الأصوات المؤمنة بشعارات السماء ، التي وقف الفقيد حياته الغالية على تركيزها وتحقيقها ، والتي بذل في نصرتها آخر أنفاسه في لحظاته الأخيرة .. وجدتني أتساءل وأتذكر.
أتساءل عن السر الذي يحفز هذه السيول من الجموع على تحمل الحر والزحام طوال ساعات ، لا تفارق الموكب الحزين حتى تودع الثرى جثمان الرجل ، الذي زحفت لتشييعه من أنحاء القطر السوري ، ومن كل بلد مجاور اتسع وقته وظروفه للمشاركة في هذا التشييع ؟
أتقديرًا لعلم الفقيد .. وقد كان من العلم في المكان المرموق
أتعظيمًا لجاه ناله من الدنيا !!!!!؟ وقد كان له الجاه الذي يغبطه عليه الكثيرون من أهل الدنيا ؟
أم تزلفًا إلى قوم من الأحياء يبتغون لديهم المنفعة بهذه المشاركة !!!!؟ ولكن كثيرًا من العلماء الكبار يموتون كل يوم .. فما يكاد يحس بهم أحد .. وأكثر من هؤلاء أصحاب الجاه الذين تسنموا بالحق أو بالباطل أرفع المنازل ، ثم ذهبوا من هذه الدنيا أذلة لا يكاد يذكرهم أحد ، إلا عند تعداد السيئات .. وتوزيع اللعنات ؟
وأما المنفعة فهي أبعد الأشياء عن هذه المناسبة .. بل لعل ضررها على المشارك فيها هو الشيء الطبيعي، الذي لا ينبغي أن نتوقع سواه .
والحق الذي يحسه كل ذي ضمير، ويدركه كل ذي تفكير، هو أن هذه الآلاف المؤلفة إنما زحفت ونصبت وصبرت تمجيدًا للفكرة التي دفع السباعي حياته كلها ثمنًا لها ، وأذاب قلبه الكبير وقودًا لاستبقاء وهجها ، في إخلاص لله لم يشبه مطمع دنيوي ، وجهاد للحق لم يستهدف سوى تحرير الوطن الإسلامي من سلطان الطغيان أيًا كان مصدره ، وتحريرًا للفكر العربي والإسلامي من كل استعباد مهما يكن أثره ومؤثره .
والإخلاص لله ، والجهاد في سبيله ، كانا وانفكا في تاريخ هذه الأمة مبعث العزة ، ومنطلق الخلود .. وصدق الفاروق أمير المؤمنين إذ يهتف في وجه أبي عبيدة أمين هذه الأمة:
"... نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومهما نبتغ العزة بغيره أذلنا الله".
ألا فليت المخدوعين بمغريات الدنيا ، المتفانين على سكرتها المسمومة ، يفطنون لهذه الحقيقة فيصونوا جباههم من تراب الهوان ، ويرتفعوا بأنفسهم ونواياهم وأعمالهم إلى المستوى الذي يفرضه الإيمان ، ليستحقوا مثل هذا المصير الذي انتهى إليه أبو حسان ....) يرحمه الله .
وترك عدة مؤلفات هي:
ـ أحكام الزواج والخلالة. ـ أحكام الوصاية والوصية. ـ أحكام المواريث.
ـ الوصايا والفرائض. ـ أخلاقنا الاجتماعية. ـ اشتراكية الإسلام.
ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. ـ أحكام الصيام وفلسفته.
ـ نظام السلم والحرب في الإسلام. ـ الدين والدولة في الإسلام.
ـ مشروعية الإرث وأحكامه في الإسلام. ـ المرونة والتطور في التشريع الإسلامي. ـ القلائد من فرائد الفوائد.
ـ هكذا علمتني الحياة. ـ المرأة بين الفقه والقانون. ـ من روائع حضارتنا.
ـ الأحوال الشخصية. ـ السيرة النبوية.
المراجع:
ـ (معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين) ، أحمد الجدع، دار الضياء، عمان، الطبعة الأولى 1999، ص (1247ـ1253) .
ـ (الموسوعة التاريخية الجفرافية) ، مسعود الخوند، الطبعة الأولى، بيروت، 1997، ص (173،174) .
ـ (مصطفى السباعي رجل فكر وقائد دعوة) ، عبد العزيز الحاج مصطفى، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى 1984
د. مصطفى السباعي.. العالم.. الداعية.. المجاهد
الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله كان أحد العلماء البارزين والدعاة المشهورين والمصلحين المعدودين ، وكانت له مع ذلك جهود سياسية واجتماعية مؤثرة ، وهو نموذج من النماذج التي تحتذى، وقدوة يقتدي بها أهل الإسلام في زماننا وفي كل زمان .
ولادته ونشأته