الصفحة 69 من 3812

وأل في قوله - تعالى -: { الأعمى } للعهد . والمقصود بهذا الوصف: التعريف وليس التنقيص من قدر عبد الله بن أم مكتوم - رضى الله عنه - وكذلك في هذا الوصف إيماء إلى أن له عذرا في مقاطعة الرسول صلى الله عليه وسلم عند حديثه مع زعماء قريش ، فهو لم يكن يراه وهو يحادثهم ويدعوهم إلى الإِسلام .

وجاء الحديث عن هذه القصة بصيغة الحكاية ، وبضمير الغيبة ، للإِشعار بأن هذه القصة ، من الأمور التى لا يحب الله - تعالى - أن يواجه بها نبيه صلى الله عليه وسلم على سبيل التكريم له ، والعطف عليه ، والرحمة به .

وجملة { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى } فى موضع الحال ، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب ، و"ما"استفهامية مبتدأ ، وجملة"يدريك"خبره .

والكاف مفعول أول ، وجملة الترجى سادة مسد المفعول الثانى . والضمير فى { لعله } يعود إلى عبد الله ابن أم مكتوم المعبر عنه بالأعمى .

والمعنى: عبس صلى الله عليه وسلم وضاق صدره ، وأعرض بوجهه ، لأن جاءه الرجل الأعمى ، وجعل يخاطبه وهو مشغول بالحديث مع غيره .

{ وَمَا يُدْرِيكَ } أى: وأى شئ يجعلك - أيها الرسول الكريم - داريا بحال هذا الأعمى الذى عبست في وجهه { لَعَلَّهُ يزكى } أى: لعله بسبب ما يتعلمه منك يتطهر ويتزكى ، ويزداد نقاء وخشوعا لله رب العالمين { أو } لعله { يذكر } أى: يتذكر ما كان في غفلة عنه { فَتَنفَعَهُ الذكرى } أى: فتنفعه الموعظة التى سمعها منك .

قال الآلوسى ما ملخصه: وفى التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الغيبة إجلال له . . كما أن في التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بضمير الخطاب في قوله - تعالى -: { وَمَا يُدْرِيكَ . . . } إكرام له - أيضا - لما فيه من الإِيناس بعد الإِيحاش والإِقبال بعد الإِعراض . .

ثم فصل - سبحانه - ما كان منه صلى الله عليه وسلم بالنسبة لهذه القصة فقال: { أَمَّا مَنِ استغنى فَأَنتَ لَهُ تصدى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى . وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى . وَهُوَ يخشى . فَأَنتَ عَنْهُ تلهى } أى: أما من استغنى عن الإِيمان ، وعن إرشادك - أيها الرسول الكريم - واعتبر نفسه في غنى عن هديك . . { فَأَنتَ لَهُ تصدى } أى: فأنت تتعرض له بالقبول ، وبالإِصغاء لكلامه ، رجاء أن يسلم ، فيسلم بعده غيره .

يقال: تصدَّى فلان لكذا ، إذا تعرَّض له ، وأصله تصدَّدَ من الصَّدَد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك . .

{ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى } أى: وأى شئ عليك في أن يبقى على كفره ، بدون تطهر؟ إنه لا حرج عليك في ذلك ، فأنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ . . . } و"ما"نافية"وعليك"خبر مقدم ، وقوله { أَلاَّ يزكى } مبتدأ مؤخر .

{ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى } أى: من جاءك مسرعا في طلب الخير والهداية والعلم ، وهو هذا الأعمى ، الذى لم يمنعه فقدانه لبصره من الحرص على التفقه في الدين .

{ وَهُوَ يخشى } أى: وهو يخشى الله ، ويخاف عقابه ، ويرجو ثوابه .

{ فَأَنتَ عَنْهُ تلهى } أى: فأنت عنه تتشاغل ، وتفرغ جهدك مع هؤلاء الزعماء ، طمعا في إيمانهم

ويلاحظ أن هذه الآيات الكريمة ، أكثر حدة في العتاب من سابقتها ، حيث ساق - سبحانه - هذه الآيات في صورة أشبه ما تكون بالتعجيب ممن يفعل ذلك . . (1)

إن هذا التوجيه الذي نزل بشأن هذا الحادث هو أمر عظيم جدًا . أعظم بكثير مما يبدو لأول وهلة . إنه معجزة ، هو والحقيقة التي أراد إقرارها في الأرض ، والآثار التي ترتبت على إقرارها بالفعل في حياة البشرية . ولعلها هي معجزة الإسلام الأولى ، ومعجزته الكبرى كذلك . ولكن هذا التوجيه يرد هكذا تعقيبًا على حادث فردي على طريقة القرآن الإلهية في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة فرصة لتقرير الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد .

وإلا فإن الحقيقة التي استهدف هذا التوجيه تقريرها هنا والآثار الواقعية التي ترتبت بالفعل على تقريرها في حياة الأمة المسلمة ، هي الإسلام في صميمه . وهي الحقيقة التي أراد الإسلام وكل رسالة سماوية قبله غرسها في الأرض .

هذه الحقيقة ليست هي مجرد: كيف يعامل فرد من الناس؟ أو كيف يعامل صنف من الناس؟ كما هو المعنى القريب للحادث وللتعقيب . إنما هي أبعد من هذا جدًا ، وأعظم من هذا جدًا . إنها: كيف يزن الناس كل أمور الحياة؟ ومن أين يستمدون القيم التي يزنون بها ويقدرون؟

والحقيقة التي استهدف هذا التوجيه إقرارها هي: أن يستمد الناس في الأرض قيمهم وموازينهم من اعتبارات سماوية إلهية بحتة ، آتية لهم من السماء ، غير مقيدة بملابسات أرضهم ، ولا بموضوعات حياتهم ، ولا نابعة من تصوراتهم المقيدة بهذه المواضعات وتلك الملابسات .

وهو أمر عظيم جدًا ، كما أنه أمر عسير جدًا . عسير أن يعيش الناس في الأرض بقيم وموازين آتية من السماء . مطلقة من اعتبارات الأرض . متحررة من ضغط هذه الاعتبارات .

ندرك عظمة هذا الأمر وعسره حين ندرك ضخامة الواقع البشري ، وثقله على المشاعر ، وضغطه على النفوس ، وصعوبة التخلي عن الملابسات والضغوط الناشئة من الحياة الواقعية للناس ، المنبثقة من أحوال معاشهم ، وارتباطات حياتهم ، وموروثات بيئتهم ، ورواسب تاريخهم ، وسائر الظروف الأخرى التي تشدهم إلى الأرض شدًا ، وتزيد من ضغط موازينها وقيمها وتصوراتها على النفوس .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4438)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت