فهرس الكتاب
وكنا نحب له أن يكون صادقا مع الواقع ومع التاريخ لكنها مدرسة تغريب أمتنا وإبعادها عن ثروتها الحقيقية ، وهذا عداء للإسلام أولا وقبل كل شيء يحتاج إلى الذين يدفعونه .
ولقد كان محمود شاكر جديرا بهذا الدفع فتصدى لمقولات لويس عوض وأجهضها تماما، وهو ما اعترف به الدكتور لويس عوض نفسه عندما جمع مقالاته التى كتبها عن المعرى في كتاب، وقال إنه لولا شدة الأستاذ محمود شاكر في مناقشته لأفاد من علمه وتحقيقة كثيرًا.
ومن هنا فإن الدكتور لويس عوض يعيب وسيلة محمود شاكر ولا يعيب علمه ولا تحقيقه. وهذا اعتراف حمدناه في حينه للدكتور لويس عوض ونحمده له بعد سنوات من وفاته لكننا نحمد أكثر وأكثر صنيع الأستاذ المحقق العظيم محمود شاكر في مقالاته التى كتبها في مناقشة الدكتور لويس عوض وجمعها في كتابه أباطيل وأسمار الذي كشف فيه قضيه التغريب والأخذ عن المستشرقين وهو كتاب تعليمى للمثقفين بالمعنى العام الذين يريدون أن يعرفوا موقف الفكر العربى الإسلامى من قضية التغريب وخطورة الأخذ من المستشرقين .
جرأة في الحق
وفى السابعة والخمسين من عمره اعتقل شيخنا ظلمًا وعدوانًا ، واحتمل ظلمة وغياهب المعتقلات ورفض أن يعتذر عن تمسكه بدينه وعن ذنب هو منه براء .
وبعد خروجه من السجن انتخب مراسلًا لمجمع اللغة العربية في دمشق ، وكرمته الدولة بجائزتها التقديرية ، ثم انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية .
وفى العام نفسه استحق بجدارة جائزة الملك فيصل العالمية .
وفى منتصف الثمانينيات واصل جولاته الفكرية الناجحة، وانتقد بشدة أفكار نجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ووصفهما بأنهما ـ مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ـ مقلدان للغرب وليسا مبتكرين، بل يقدمان نفس الرؤى التى كان أولئكم ينادون بها؛ ولهذا فهم يسيرون في طريق الخطأ .
وقال عنهم:"إنهم ام يقدموا شيئًا مفيدًا لمجتمعهم ولا لقضايا مجتمعهم ، ولو كانوا يسيرون في طريق صحيح لكان لهم شأن آخر .. صحيح أنهم مجتهدون ولهم جهود دائمة دائبة ، ولكنها ضئيلة ، وباهتة فعندما أنظر الى الوجود الحقيقى لطه حسين أو توفيق الحكيم أو إحسان عبد القدوس ، ونجيب محفوظ أراه وجودا ليس مفيدا لقضايا مجتمعهم أو مشاكله".
ولعل جرأة شيخنا في الحق وفى الصدع به كانت سببا في تجاهل الأجهزة الإعلامية له ولمنهجة الفكرى إلى أن رحل عن دنيا الزيف إلى رحمة الله التى وسعت كل شيء؟.
تحقيق التراث
وقضية محمود شاكر لم تكن فقط التصدى للدكتور طه حسين ولا للدكتور لويس عوض ولا من على شاكلتهما، إنما كانت العودة بتحقيق التراث إلى أصوله ومنابعه الأولى التى قام عليها العلماء المسلمون ، منذ الصدر الأول للإسلام ، هذا التحقيق الذى ظل ممتدا حتى عصرنا الحاضر قام عليه شيوخ أعلام من أبرزهم الشيخ محمود شاكر ، ولقد كانت فطنته أنه اتبع الأولين وأحيا طرائقهم .
وإن قضية جمع القرآن في عهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه هى أولى الدرجات في علم تحقيق التراث الإسلامى . ومع أنها أولى الدرجات فإنها كانت وافية تماما للتأكد من صحة النص وصحة نسبه إلى الذي نزل عليه القرآن .
وجمع الحديث وتحقيقه جاء من كونه المصدر الثانى للتشريع وأنه شارح للقرأن ومفصل لمجمله إلى غير ذلك مما يعرفه الناس عن مكانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن
إن المدرسة الإسلامية جاءت في تحقيق الحديث بعلم غير مسبوق في تحقيق تراث الأمم. ولم يلحق به لاحق حتى الآن ولا المستشرقون الذين يزعمون أنهم أصحاب فضل في تحقيق التراث الإسلامى .
إن علماء الحديث بذلوا جهودا جبارة في مراجعة ما جمعوا من حديث للتأكد من صحة نسبها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسموا الأحاديث الصحيحة إلى درجات كثيرة في صحتها ، فمنها المتواتر ، ومنها الآحاد ، ومنها الصحيح لنفسه ، ومنها الصحيح لغيره ، ومنها الحسن ، وغير ذلك مما يمكن الرجوع إليه في هذا العلم العظيم الذى يجب أن يسود حياتنا الثقافية وأن نجد لقواعده أثرا في تحقيقاتنا للتراث الإسلامى ، وهو الأمر الذى احتذاه محمود شاكر في تحقيقه للتراث وفى مناقشات للمتغربين والمارقين من المعرفة الاستشراقية .
ومن هنا تأتى أهمية الرجل ولفت الأنظار إليه في حياته وما كان من أثر وفاته في تنبيه العقول إلى تراث الأمة وتحقيق علمائها له بأنفسهم بعد أن يتعلموا هذا الفن الجليل ويستكملوا أسبابه من علم بلغة القرآن وفى القرآن والحديث والتاريخ الإسلامى وما تركه لنا الأجداد من مخطوطات بعضها بين أيدينا وبعضها سرقه الاستعمار الاستشراقى من خزانات كتبنا . وإن محمود شاكر له آثار جليلة في تحقيق التراث من تفسير وحديث وشعر ونثر .
ونظرا لمجهودات الشيخ شاكر الكبيرة انتخب عضوا مراسلا لمجمع اللغة العربية في دمشق ، وعضوا عاملا بمجمع اللغة العربية وعضوا بمجمع الخالدين .
كماحصل عى جائزة الدولة المصريةالتقديرية في الآداب .
حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام عن كتابه المتنبى الذى يقع في مجلدين من القطع الكبير ، وقد أنجز هذا الكتاب، ثم أعاد تحقيقه وتنقيحه وتزويده بوثائق جديدة .. وبذلك يعد المصرى الرابع الذى يحصل على هذه الجائزة
إن آثار محمود شاكر تجعل من شخصيته علما قائما بذاته .. فيا حبذا لو حفظنا هذا العلم وعملنا به وجعلنا من ذلك الرجل أسوة حتى لا يتخاذل حق أمام ضوضاء باطل .
مسلمة بن عبد الملك.. الفاتح الكبير