فهرس الكتاب
كان مسلمة رضي الله عنه يقوم من الليل فيتوضأ ويتنفل حتى يصبح. وكان رحمه الله يثق بورع عمر بن عبد العزيز وعمر يثق بورع مسلمة. فدخل مسلمة على عمر في مرضه الذي مات فيه فأوصاه عمر بن عبد العزيز أن يحضر موته، وأن يلي غسله وتكفينه، وأن يمشي معه إلى قبره، وأن يكون ممن يلي إدخاله في لحده، ومن المعلوم أن المرء لا يوصي أحدًا بأن يحضر موته ويلي غسله وتكفينه إلا إذا كان يثق بورعه وتدينه.
وكان مسلمة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعرف واجب الحاكم تجاه المحكومين ولا يرضى للحاكم أن يغمط حقوق المحكومين، وكان يؤدي فريضة الحج ويقصد بيت الله في مكة المكرمة محرمًا، ويشد الرحال إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية كلما وجد إلى ذلك سبيلًا، وقد تولى إمارة الحج سنة أربع وتسعين من الهجرة في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك.
مسلمة والخلافة
لم يكن لمسلمة رحمه الله أمل في تولي الخلافة مع أنه كان أحق بالملك من سائر إخوته، وكان ذا عقل راجح ورأي سديد يحولان بينه وبين مغامرة تشق صفوف المسلمين، وكان من أكثر الناس حرصًا على رص الصفوف والوحدة، كما أنه كان يعتبر الخلافة وسيلة من أجل خدمة الأمة لا غاية من أجل أطماع شخصية وأمجاد أنانية، وهو بحق خدم الأمة أجل الخدمات، وبذلك حقق الوسيلة واستغنى عن الغاية.
مضى مسلمة من سنة ست وثمانين من الهجرة حتى تقاعد سنة أربع عشرة ومائة هجرية قائدًا دون توقف إلا سنة إحدى عشرة ومائة هجرية. وتوقفه كان لأسباب مرضية، فأمضى كل حياته قائدًا، خلقه الله تعالى ليكون غازيًا لا ليكون واليًا، فوجوده بين جنوده يرفع معنوياتهم ويزعزع من معنويات عدوه من جهة أخرى، فلقد كان القائد الأول في الدولة الأموية بعد محمد بن القاسم وقتيبة بن مسلم، وكان لا يتعالى على أحد غرورًا بانتصاراته أو مكانته الرفيعة بين الحكام والمحكومين على حد سواء.
مات مسلمة رحمه الله تعالى عن عمر يناهز الرابعة والخمسين، توفي في سنة إحدى وعشرين ومائة هجرية، 738م، وكانت وفاته بالشام ودفن بموضع يقال له"الحانوت"لقد مات فتى العرب ورجل بني أمية وعلى أمثاله يبكي الناس ويحزنون لمزاياه الرفيعة خلقًا وسلوكًا وورعًا.. إضافة إلى علمه وأدبه وكرمه وجوده ومروءته.
رجل قضى أربعة أخماس عمره بعد بلوغه مبلغ الرجال في ساحات الجهاد، ولم يسقط السيف من يده في السنوات الباقية من عمره إلا مضطرًا ومكرهًا.. وهو أعظم من حاصر القسطنطينية من القادة العرب المسلمين. رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ــــــــــــــ
مجلة صوت الأزهر
الفقيه الأميرال 1/2
نحن اليوم في تونس الخضراء قبل ألف ومائتي سنة بالضبط. نحن في يوم من أيام سنة 162 للهجرة، في يوم مشهود، يوم سفر طالب من طلبة العلم إلى المشرق للدرس والتحصيل.
ونحن نرى الطلاب إذا أرادوا التحصيل يذهبون في أيامنا إلى الغرب؛ لأن الغرب أرقى. أما يومئذ فكانوا يأتون من الغرب إلى الشرق؛ لأن الشرق كان أرقى رقيًا وأعظم حضارة.
هذا الشاب الذي اجتمع أهل تونس لوداعه، عمره ثلاثون سنة، غريب عن تونس، أصله من نيسابور، وولد في ديار بكر، وذهب أبوه إلى المغرب في الحملة التي جردها المنصور للقضاء على ثورة البرابرة، فنشأ في تونس وأخذ العلم عن علمائها، حتى إذا استوفى ما عندهم، عزم على الرحلة.
وهكذا رحل هذا الشاب: أسد بن الفرات، فارق تونس سنة 172هـ وتنقل في البلدان، وجاب صحاري، وركب بحارًا، حتى وصل المدينة، وكان للعلم مركزان، جامعتان كبيرتان: جامعة محافظة - إن صح التعبير - تعنى بالنقل وبدراسة النصوص، مقرها المدينة وأستاذها الأكبر مالك، وجامعة مجددة تميل إلى النظر العقلي، والبحث الحقوقي، ومقرها العراق، وأستاذها الأكبر أبو حنيفة.
فقصد جامعة المدينة ولزم الإمام مالكًا رحمه الله.
وكانت لمالك هيبة في الصدور، فلا يجرؤ أحد عليه، وكانت طريقة تلاميذه معه الاستماع، والإقلال من المناقشات، فلا يفرضون الفروض، ولا يقدرون الوقائع التي لم تقع، ويضعون لها الأحكام، كما يصنع علماء العراق، بل يسألون عمَّا وقع من الأحداث، ولا يلحون في السؤال، ولم تعجب هذه الطريقة الشاب التونسي، فجعل يفرِّع من كل مسألة مسألة، ويلح في طرح الأسئلة عليه، ورأى منه تلاميذ مالك هذه الجرأة، فكانوا يحملونه أسئلتهم أيضًا ليلقيها على الإمام مالك.
صحب ابن الفرات مالكًا سنتين، ثم أزمع الانتقال إلى الجامعة الأخرى، جامعة العراق، فدخل على الإمام مودعًا شاكرًا وسأله أن يوصيه. فقال له:"أوصيك بتقوى الله، والقرآن، والنصيحة للناس".. ثلاث كلمات جمعت الفضائل كلها.
عراق محمد بن الحسن
ورحل إلى العراق وكان الإمام أبو حنيفة قد مضى إلى رحمة الله، وولى أستاذية مدرسته تلاميذه يقدمهم أبو يوسف ومحمد. وكان الإمام أبو يوسف قد شغل القضاء. وأما الإمام محمد فقد تصدر للتدريس وللبحث، وانتهت إليه رياسة العلماء، فلزمه هذا الشاب المغربي، فكان يحضر دروسه العامة، ثم أحب أن يكون له درس خاص، يغرف فيه ما استطاع من علم الإمام محمد ليحمله إلى بلاده، فطلب ذلك من شيخه..
وبمنتهى التواضع وكرم العلماء وتفرسهم في النجباء ورغم انشغال الشيخ وازدحام الوقت إلا إنه أخذ الشاب المغربي إلى بيته، وأعطاه غرفة بجنب غرفته، وكان يسهر معه الليل، يضع أمام التلميذ قدح ماء، فإذا نعس نضح وجهه ليصحو.