فهرس الكتاب
لما طالت أيام المعركة، وقلت الأقوات، تململ بعض الجند، وتحركت عناصر الشغب والفساد، وأحكموا أمرهم، وعزموا على العصيان، وحفوا بالقاضي الأمير أسد بن الفرات، وأقبل زعيمهم أسد بن قادم، يعلن رغبة الجند في العودة إلى ديارهم. وهي رغبة ظاهرها الطاعة، وباطنها الثورة، فقابلها أسد بالحكمة أولًا وراح يبين لهم قرب النصر، وعظم الأجر، فما ازدادوا إلا عتوًّا. وتقابل الأسدان، وتجرأ الثائر فقال: على أقل من هذا قتل الخليفة عثمان بن عفان!
ومعنى هذا إعلان الثورة فماذا يصنع الفقيه القاضي؟
أيستخذي ويخضع؟ ويضيع المعركة، ويخسر النصر المرتقب، من أجل ثورة عاصفة، يقوم بها جند مشاغبون؟ أم يشتد ويحزم؟ وماذا يصنع إذا هو اختار الشدة والحزم؟
لقد صنع أيها السادة ما لا يصنع مثله أبطال الروايات الخيالية: تناول السوط من يد أحد الحرس، وانتصب أمام الثائر وضربه على وجهه أولًا وثانيًا. ولبسته قوة سماوية خارقة هي قوة الإيمان، صرخ بالجند: إلى الأمام. وتقدمهم، وكان الظفر، وكان الفتح، وكان ابتداء الدولة الإسلامية في صقلية التي امتدت قرونًا، ولكن الثمن كان غاليًا.
لقد استشهد القائد البطل الفقيه القاضي أسد ابن الفرات! هوى وهو يحمل راية النصر، ولم يعرف له قبر.
هوى طاهر الأثواب لم تبق روضة .. ... غادة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفًا فإنني .. ... .. رأيت الكريم الحر ليس له قبر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"رجال من التاريخ"لعلي الطنطاوي
أحمد ديدات.. دعوة حتى آخر رمق
في يوم الإثنين الثامن من أغسطس 2005 ودعت الأمة الإسلامية علما بارزا من أعلامها وجبلا شامخا من جبال دعوتها ألا وهو الشيخ المناضل والداعية المجاهد الشيخ أحمد ديدات.. ذلك الجبل الأشم والطود العظيم والعلامة الفارقة في تاريخ الدعوة إلى الله رب العالمين. تلك الدعوة التي تمثلت لتصوغ رجلا من نوع يختلف عن كثيرمن الرجال كما أنها دعوة تختلف في أسلوبها عن كثير من أساليب الدعوة وطرقها المعروفة.
لقد اختار الرجل طريقا وعرًا لا يسلكها إلا الأفذاذ من الرجال ، فاختار مقارعة أهل الكتاب في عقر دارهم وإفحامهم من خلال كتبهم وإظهار عوارها وبيان اختلافها وأن مثلها لا يصلح أن يكون كلمة الرب التي أنزلها على رسله وأن دين الحق هو دين الإسلام الخاتم .. كل ذلك من خلال المناظرة بالحكمة والموعظة الحسنة مما كان له كبير الأثر في عودة الآلاف منهم إلى الدين الحق دين الإسلام.
لقد عاش ديدات حياته يناضل في هذا الجانب، ومات وهو لا يزال يؤدي رسالته من على فراش المرض، ثم ودعنا بعد حياة حافلة تحتاج أن يدرسها كل مسلم ليأخذ منها عبرا وعظات.. وهانحن نقتطف منها ملخصا لا يغني عن التمام:
مولده ونشأته
ولد الشيخ الفقيد أحمد حسين ديدات في مدينة سيرات بالهند عام 1918, وقد هاجر والده إلى دولة جنوب أفريقيا بعد وقت قصير من ولادته، وعندما بلغ الصغير تسع سنوات ماتت والدته فلحق بأبيه إلى جنوب أفريقيا حيث عاش هناك بقية عمره.
في جنوب إفريقيا برع أحمد في دراسته وفاق أقرانه رغم اختلاف اللغة وبدت عليه علامات التفوق والنبوغ.. لكن الفقر حال دونه والعلم والقراءة الذين شغف بهما، وخرج ديدات الصغير من المرحلة المتوسطة ليبحث عن مصدر رزق يتقوت منه .
مواجهات مبكرة
عمل ديدات في عدة أعمال، وعندما بلغ الثامنة عشرة في حدود عام 1936، عمل في دكان يمتلكه أحد المسلمين، يقع في منطقة نائية في ساحل جنوب إقليم ناتال بجانب إرسالية مسيحية، وكان طلبة الإرسالية يأتون إلى الدكان الذي يعمل به ديدات ومعه مسلمون آخرون، ويكيلون الإهانات لهم عبر الإساءة للدين الإسلامي والطعن في النبي صلى الله عليه وسلم.. وعن هذا يقول الشيخ ديدات:"لم أكن أعلم شيئًا عما يقولون، كل ما كنت أعلمه أنني مسلم.. اسمي أحمد.. أصلي كما رأيت أبي يصلي.. وأصوم كما كان يفعل، ولا آكل لحم الخنزير ولاأشرب الخمور، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله."
إظهار الحق
يقول الشيخ ديدات:"كانت الشهادة بالنسبة لي مثل الجملة السحرية التي أعلم أنني إن نطقت بها نجوت، ولم أكن أدرك غير ذلك، ولكن نهمي الطبيعي وحبي للقراءة وضعا يدي على بداية الطريق، فلم أكن أكتفي بالجرائد التي كنت أقرؤها بالكامل، وأظل أفتش في الأكوام بحثًا عن المزيد مثل المجلات أو الدوريات، وذات مرة وأثناء هذا البحث عثرت على كتاب كان عنوانه بحروف اللاتينية izharulhaq (إظهار الحق) ، وقلبته لأجد العنوان بالإنجليزية"Truth Revealed"، جلست على الأرض لأقرأ فوجدته كتب خصيصًا للرد على اتهامات وافتراءات المنصِّرين في الهند، وكان الاحتلال هناك قد وجد في المسلمين خطورة، فكان من بين الحلول محاولات تنصيرهم لتستقر في أذهانهم عقيدة"من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر"، فلا يواجه بمقاومة أكبر من المسلمين، وبذلك تعرض المسلمون هناك لحملات منظمة للتنصير، وكان الكتاب يشرح تكنيك وأساليب وخبرات توضح طريقة البداية، وطرح السؤال، وأساليب الإجابة لدى نقاش هؤلاء المنصرين، بما جعل المسلمين في الهند ينجحون في قلب الطاولة ضدهم، وبالأخص عن طريق فكرة عقد المناظرات."
عودة إلى طلاب الإرسالية