الصفحة 753 من 3812

عندما تغلب الفرنسيون على البلاد، واحتلوها، أعلن الشيخ الجهاد المقدس، حتى جلاء آخر جندي فرنسي عن البلاد، وسافر في حملة «جهادية ضد المستعمر الفرنسي للأمة المسلمة في بلاد الشام» ، وجاب الولايات الشامية من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، برفقة تلميذيه العالمين القديرين الشيخ علي الدقر، والشيخ هاشم الخطيب، داعيًا إلى الثورة على الاحتلال والاضطهاد الذي وقع على المسلمين، ومحرضًا على الجهاد والقتال بحماس منقطع النظير، فما لبث أن اندلعت الثورة السورية الكبرى، والتي اعتبر منذ ذلك الوقت أباها.

كان الشيخ يجتمع بوجهاء دمشق وشجعانها، فيأتون إلى دار الحديث بكامل أسلحتهم فرسانًا وركبانًا، يؤدُّون أن يسلموا على الشيخ، ويتبركوا بدعائه، فيقفون قريبًا من دار الحديث ينتظرون قدوم الشيخ عليهم، فينزل من غرفته ـ وكان لا ينزل إلاّ لأمر مهم ـ فيمرُّ بينهم، وهم مصطفّون أقسامًا، على الخيول المطهّمة، ومشاةً مسلحين، يوجههم إلى تقوى الله عز وجل، ويدعوهم إلى طلب الفرج منه، والنصر على الأعداء، ولا يزال يمشي ويسلم عليهم وهم يتبركون به، ثم يودعهم ويرجع إلى دار الحديث فيذهبون وقد أذكى الشيخ فيهم نار الحماس، وهم يطلقون الرصاص، وتعلو أصواتهم بالأهازيج الحماسية.

أثارت دعوة الشيخ للجهاد نقمة الفرنسيين، فجاؤوا إلى دار الحديث ممثلين بالمندوب السامي الفرنسي ليثنوه عن دعوته، فقال الشيخ له: لا تهدأ هذه الثورة إلاّ بخروجكم، فغضب المندوب السامي وخرج.

كان الشيخ كثير الاهتمام بالثورة والمجاهدين، ودائم الاتصال بزعمائهم، إذ كان المجاهدان حسن الخرَّاط، الشيخ محمد الأشمر (من أشهر قادة المجاهدين) يأتيان كل صباح قبيل الفجر ليقابلا الشيخ بدار الحديث فيوجههما التوجيه المفيد، ويربط قلبيهما بالله، فيزدادان ثقة بالله واتكالًا عليه. وكان الشيخ يمدهما بالذخيرة والمؤن، وما يحتاجان إليه بطريق بعض طلابه المخلصين، وقد جعل الشيخ من يكون همزة وصل بينه وبين الثوار فيقدم له بيانًا يوميًا عن الثورة ومعارك الثوار.

كانت رمزية الشيخ بدر الدين وحضوره عند الثوار عظيمًا، ولهذا مثلًا كانا المحكمة العسكرية التي يقيمها حسن الخراط من علماء مجاهدين لكي يقضي بالشريعة يُصدِّر حكمها باسم إمام المسلمين المحدِّث الأكبر الشيخ محمد بدر الدين الحسني.

وصية قبل الوفاة

وتوفي الشيخ قبل أن يتم طرد آخر جندي فرنسي محتل من سوريا. توفي الشيخ مريضًا قبل أن يكحل عينه بيوم الجلاء، وترك وصيةً لم تخلف درهمًا ولا دينارًا، ولكن موعظة بتقوى الله وخوفًا على الأمة، وحثًا على طلب العلم واحترام العلماء، فقد حضر علماء الشام ومحبوه في بيته قبيل وفاته، فأوصاهم قائلًا:

«السلام على أمة النبي ـ ونستغفر الله ما صدر منا حال وجودنا في الدنيا مع الأمة الإسلامية من التقصير في حقهم والإساءة إليهم، بل في حق عموم الخلق، ونسأل الله أن يستعملهم فيما يرضيه ويصرف عنهم كيد الأشرار والفجار ، ونستودعهم الله عز وجل في دينهم ودنياهم، ونسأل الله تعالى أن يعينهم على أمر دينهم ودنياهم، ونسأل الله تعالى أن يعينهم على أمر دينهم الذي فيه صلاحهم وعلى دنياهم التي فيها معاشهم وعلى آخرتهم التي فيها معاهدتهم ومصيرهم.

(...) وأوصيهم بالانكباب على طلب العلم لصيانته من الضياع، واحترام العلماء، والسلام على أهل السلام وكافة الناس من أولهم إلى آخرهم».

توفي الشيخ يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 1354هـ، وخرجت جنازته فخرجت فيها الشام كلها، ودفن في مقبرة الباب الصغير، جنوبي دمشق، حيث قبر العلامة ابن قيم الجوزية.

تلخيص ومراجعة عبد الرحمن الحاج

الشيخ عبد الحميد كشك

الشيخ عبد الحميد كشك من أكثر الدعاة والخطباء شعبية في الربع الأخير من القرن العشرين ، وقد وصلت شعبيته إلى درجة أن المسجد الذي كان يخطب فيه خطب الجمعة حمل اسمه ، وكذلك الشارع الذي كان يقطن فيه بحي حدائق القبة . ودخلت الشرائط المسجل عليها خطبه العديد من بيوت المسلمين في مصر والعالم العربي.

والشيخ عبد الحميد كشك ولد بمصر عام 1933م في قرية شبراخيت من أعمال محافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية . ومرض وهو صغير وبسبب المرض فقد نعمة البصر .

وقد ولد في أسرة فقيرة وكان أبوه بعيش بالإسكندرية، وحفظ القرآن الكريم ولم يبلغ الثامنة من عمره ، وحصل على الشهادة الابتدائية ، ثم حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية بتفوق والتحق بكلية أصول الدين وحصل على شهادتها بتفوق أيضًا .

وفي أوائل الستينيات عين خطيبًا في مسجد"الطيبي"التابع لوزارة الأوقاف بحي السيدة بالقاهرة، ومثل الأزهر في عيده العام عام 1961، وفي عام 1964 صدر قرار بتعيينه إمامًا لمسجد عين الحياة بشارع مصر والسودان في منطقة دير الملاك بعد أن تعرض للاعتقال عام 1966 خلال محنة الإسلاميين في ذلك الوقت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر .

وقد أودع سجن القلعة ثم نقل بعد ذلك إلى سجن طرة وأُطلق سراحه عام 1968. وقد تعرض لتعذيب وحشي في هذه الأثناء ورغم ذلك احتفظ بوظيفته إمامًا لمسجد عين الحياة .

وفي عام 1972 بدأ يكثف خطبه وزادت شهرته بصورة واسعة وكان يحضر الصلاة معه حشود هائلة من المصلين . ومنذ عام 1976 بدأ الاصطدام بالسلطة ـ وخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد ـ حيث اتهم الحكومة بالخيانة للإسلام وأخذ يستعرض صور الفساد في مصر من الناحية الاجتماعية والفنية والحياة العامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت