فهرس الكتاب
وفي عام 1377 هـ انتقل إلى رحاب الله ، ودفن في مقبرة أصدقائه آل تيمور جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء ، ورحمه رحمة واسعة ، وعفا الله عنا وعنه .
محمد متولي الشعراوي
علم بارز من أعلام الدعوة الإسلامية ، وإمام فرض نفسه ، وحفر لها في ذاكرة التاريخ مكانًا بارزًا كواحد من كبار المفسرين ، وكصاحب أول تفسير شفوي كامل للقرآن الكريم ، وأول من قدم علم الرازي والطبري والقرطبي وابن كثير وغيرهم سهلًا ميسورًا تتسابق إلى سماعه العوام قبل العلماء ، والعلماء قبل العوام .
مولده
-ولد الشعراوي يوم 15 أبريل عام 1911م ، بقرية"دقادوس"، مركز ميت غمر ، بمحافظة الدقهلية ، بجمهورية مصر العربية .
-حفظ القرآن الكريم وهو في سن الحادية عشرة ، والتحق بمعهد الزقازيق الديني الابتدائي ، ثم الإعدادي ، فالثانوي .
-حصل على شهادة العالمية من كلية اللغة العربية بالقاهرة سنة 1941م .
-عين مدرسًا بالمعهد الديني بطنطا ، ثم انتقل إلى الزقازيق ثم إلى الاسكندرية ، واستمر تدريسه مدة ثلاث سنوات فقط ، سافر بعدها إلى السعودية ضمن البعثة الأزهرية - ليعمل أستاذًا للشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة 1950م ، وفي عام 1963م حدث خلاف بين جمال عبدالناصر والملك سعود سُحِبت على إثره البعثة الأزهرية ، فعاد إلى مصر ، وتولى منصب مدير مكتب شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون .
-وسافر الشيخ مرة أخرى إلى الجزائر رئيسًا لبعثة الأزهر ، وبقي بها مدرسًا لمدة سبع سنوات ، قبل أن يعود إلى مصر ويتولى منصب مدير أوقاف محافظة الغربية ، ثم بعد ذلك وكيلًا للأزهر الشريف .
-في سنة 1976م اختير وزيرًا للأوقاف في وزارة ممدوح سالم ، ولكن وقع خلاف بينه وبين السادات"رئيس الجمهورية"فترك الوزارة ، وسافر إلى السعودية ولم يعد إلا بعد مقتل السادات سنة 1981م .
نور على نور
عرف الناس الشيخ الشعراوي ، وتوثقت صلتهم به ، ومحبتهم له من خلال البرنامج التلفزيوني"نور على نور"وهو الذي كان يفسر فيه كتاب الله العزيز ، وقد بدأ هذا البرنامج في السبعينات من هذا القرن ، ومن خلاله ذاع صيت الشعراوي في مصر والعالم العربي والإسلامي ، ومن التليفزيون المصري انتقل البرنامج إلى إذاعات وتليفزيونات العالم الإسلامي كله تقريبًا .
كان الشعراوي في تفسيره للقرآن آية من آيات الله ، وكان إذا جلس يفسر كأن كلامه حبات لؤلؤ انفرطت من سلكها فهي تنحدر متتابعة في سهولة ويسر .
غواص معانٍ
كان - رحمه الله - في تفسيره كأنه غوَّاصٌ يغوص في بحار المعاني والخواطر ، ليستخرج الدرر والجواهر ، فإذا سمعت عباراته ، وتتبّعْت إشاراته ، ولاَمَسَتْ شغافَ قلبك خواطرُه الذكية ، وحرّكت خلجات نفسك روحانياتُه الزكية قلتَ: إنه لَقِن معلَّم ، أو فَطِنٌ مُفَهَّم ، لا يكاد كلامه يخفى على سامعه مهما كان مستواه في العلم ، أو قدرته على الفهم ، فهو كما قيل السهل الممتنع .
وعلى رغم أن علم التفسير علمٌ دقيق ، وغالبًا ما يُقدم في قوالب صارمة ، ولغة صعبة عالية ، إلا أن الشعراوي نجح في تقريب الجمل المنطقية العويصة ، والمسائل النحوية الدقيقة ، وكذلك المعاني الإشارية المُحلِّقة ، ووصل بذلك كله إلى أفهام سامعيه ، حتى باتت أحاديثه قريبة جدًا من الناس في البيوت ، والمساجد التي ينتقل فيها من أقصى مصر إلى أقصاها ، حتى صار الناس ينتظرون موعد برنامجه ليستمتعوا بسماع تفسيره المبارك .
لقد عاش الشعراوي مع القرآن يعلمه للناس ويتعلم منه ، ويؤدب الناس ويتأدب معهم ، فتخلَّق بأخلاقه ، وتأدب بآدابه ، فعاش - رحمه الله - بسيطًا متواضعًا ، رغم سعة شهرته ، واحتفاء الملوك والأمراء والوجهاء والكبراء به ، وكان يحيى حياة بسيطة على طريقة سراة الفلاحين .
كان الشيخ مألوفًا محبوبًا ، يألفه الناس ويحبونه لصفاء نفسه ، ولطف معشره ، وحسن دعابته مع مهابة العلماء ووقارهم .
كان الشعراوي واسع الثراء ، كثير الإنفاق في سبيل الله تعالى - حتى إنه تبرع مرة بمليون جنيه مصري للمعاهد الأزهرية .
وما زال الشيخ الشعراوي مستمرًا في التفسير إلى أواخر حياته ، وقبيل أن يمنعه المرض الذي عانى منه قبل وفاته بخمسة عشر شهرًا .
وفاة الشيخ
وفي صباح الأربعاء 22 صفر 1419هـ الموافق 17/6/1998م انتقلت الروح إلى باريها ، وفقدت الأمة علمًا آخر من أعلامها البارزين .
وانتهز الصوفية محبة الناس للشعراوي فأقاموا له مقامًا في محافظة الدقهلية ، وزعموا أنه كان من أكابر أئمة الطريقة . ومحبي الأولياء ، ومقبلي الأعتاب .
رحم الله الشعراوي ، وعفا عنه ، وجازاه عن القرآن خيرًا ، وعوض المسلمين خيرًا منه . آمين
محمد ناصر الدين الألباني
صفحة من صفحات أمتنا البيضاء طويت مع ما طوي قبلها من صفحات ، وكلها صفحات من نور ، وورقة أخرى من ورقات شجرة الحياة سقطت بعد ما سقط قبلها - فسقط بسقوطها علم وهوى بهويها نجم بل قمر، وانطفأت شمس طالما أضاءت الطريق إلى الله تعالى .
إنه الفقيد الذي ارتبط اسمه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما يذكر إلا ويذكر معه ، العالم الذي بزّ لداته ، وفاق أقرانه ، وتميز حتى صار شامة في جبين الصحوة المعاصرة ، والعلم الذي أحيا مكانة السنة الصحيحة ، وأوضح أثرها في حياة نهضة الأمة ، وفضح السنة المنحولة ، وحذّر منها وبيَّن ضعيفها وسقيمها .