الصفحة 80 من 3812

الاشتراء: استبدال السلعة بالثمن . والمعنى: أولئك الذين تقدم الحديث عنهم وهم الكاتمون لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وانطماس البصيرة أنهم باعوا الهدى والإِيمان ليأخذوا في مقابلهما الكفر والضلال ، وباعوا ما يوصلهم إلى مغفرة الله ورحمته ليأخذوا في مقابل ذلك عذابه ونقمته ، فما أخسرها من صفقة ، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من أعراض الدنيا الفانية ، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم .وقوله - تعالى -: { فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } معناه: فما أدومهم على عمل المعاصي التي تؤدي بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارم على عملهم يجلبون النار إليهم جلبًا . ويقصدون إليها قصداص بدون مبالاة أو تفكر .

والمراد من التعجب في هذه الآية وأشباهها ، الإِعلام بحالهم وأنهن ينبغي أن يتعجب منها كل أحد ، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملةالتعجب من صبر أولئك الكفارعلى النار ، والتعجب انفعال - يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه وهو غير جائز في حقه - تعالى - لأنه لا يخفى عليه شيء ، ومن هنا قال العلماء: إن فعل التعجب في كلام الله المراد منه التعجب ، أي: جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل ، وهو هنا صبرهم على النار ، فيكون المقصود تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم ما يلقى بهم في النار ، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم .

وشبيه بهذا الأسلوب في التعجب - كما أشار صاحب الكشاف - أن تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن فأنت لا تريد التعجب من صبره ، وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على القيد والسجن ، والمقصود بذلك تحذيره من التمادي فيما يوجب غضب ذلك السلطان .

قال الجمل ما ملخصه وما في قوله { فَمَآ أَصْبَرَهُمْ } - وفي مثل هذا التركيب - فيها أوجه: .

أحدها: وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة تامة غير موصولة ولا موصوفة وأن معناها التعجب فإذا قلت . ما أحسن زيدًا ، فمعناه: شيء صير زيدًا حسنا .

والثاني: وإليه ذهب الفراء: أنها استفهامية صحبها معنى التعجب ، نحو:"كيف تكفرون بالله".

والثالث: ويعزي للأخفش: أنها موصولة .

والرابع ويعزى له أيضًا: أنها نكرة موصوفة وهي على هذه الأقوال الأربعة في محل رفع بالابتداء وخبرها على القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها ، وعلى قولى الأخفش يكون الخبر محذوفًا .

ثم بين - سبحانه - أن سبب استحقاقهم للعذاب الأليم ، هو ارتكابهم لما نهى الله عنه عن قصد وسوء نية فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق } .

أي: ذلك العذاب الأليم حل بهم بسبب أن الله أنزل التوارة مصحوبة ببيان الحق الذي من جملته التبشير ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكتموا هم هذا الحق وامتدت إليه أيديهم الأثيمة بالتحريف والتأويل إيثارًا لمطامع دنيوية على هدى الله الذي هو أساس كل سعادة .فاسم الإِشارة { ذَلِكَ } يعود على مجموع ما سبق بيانه من أكل النار ، وعدم تكليم الله إياهم ، وعدم تزكيتهم . . إلخ .

والباء في قوله: { بِأَنَّ } للسبيبة ، والمراد بالكتاب: التوراة .

ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الكاتمين للحق بقوله: { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } .

اختلفوا: خلف بعضهم بعضًا ، وأصله من أختلاف الطريق ، تقول اختلفوا في الطريق .

أي: جاء بعضهم من جهة والبعض الآخر من جهة أو جهات أخرى ، ثم استعمل في الاختلاف في المذاهب والاعتقاد .

والكتاب: التوارة ، أو التوراة والإِنجيل ، إذ يصح أن يراد جنس الكتاب والمقام يقتضي صرفه إلى هذين الكتابين ، وقد أبعد في التأويل من قال بأن المراد به القرآن لأن الحديث عن أهل الكتاب الذين كتموا ما في كتبهم من بشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم واختلافهم في الكتاب من مظاهره: إيمانهم ببعضه وكفرهم بالبعض الآخر ، وتحريفه عن مواضعه وتأويله على غير ما يراد منه .

والشقاق: الخلاف ، كأن كل واحد من المختلفين في شق غير الشق الذي يكون فيه الآخر ، وإذا وصف الخلاف بالبعد فهم منه أنه بعيد عن الحق ، يقال: قال فلان قولا بعيدًا ، أي بعيدًا من الصواب .

والمعنى: ذلك العذاب الأليم حل بأولئك الأشقياء بسبب كتمانهم لما أنزله الله في كتبه فأظهروا منها ما يناسب أهواءهم وأخفوا ما لا يناسبها - لفي بعد شديد عن الحق والصواب:

وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت ألوانا من العقوبات الأليمة التي توعد الله بها كل من يكتم أمرًا نهى الله عن كتمانه ، لكي يقلع كل من يتأنى له الخطاب عن هذه الرذيلة وفاء للعهد الذي أخذه الله على الناس بصفة عامة ، وعلى أولى العلم بصفة خاصة (1) .

والتنديد بكتمان ما أنزل الله من الكتاب كان المقصود به أولًا أهل الكتاب . ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة ، يكتمون الحق الذي يعلمونه ، ويشترون به ثمنًا قليلًا . إما هو النفع الخاص الذي يحرصون عليه بكتمانهم للحق ، والمصالح الخاصة التي يتحرونها بهذا الكتمان ، ويخشون عليها من البيان . وإما هو الدنيا كلها - وهي ثمن قليل حين تقاس إلى ما يخسرونه من رضى الله ، ومن ثواب الآخرة .

وفي جو الطعام ما حرم منه وما حلل يقول القرآن عن هؤلاء:

{ ما يأكلون في بطونهم إلا النار } . .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 279)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت