ولكن مما يشد العزم ويقوي الهمة للقيام بهذا المشروع: استحضارنا لمعية الله الخاصة بعباده المؤمنين {وَالَّذِِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، وإيماننا أن الثواب على قدر المشقة، وكلما كان الجهد أكبر، كان الثواب أعظم، أضف إلى ذلك: ما يحصله الإنسان من سعادة حين يشعر أنه قد تخطى الصعاب والعقبات وكان له سهم في خدمة هذا الدين.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من المصلحين العاملين الموفقين.
عالمية الدعوة و قضية اللغة
تعتبر قضية اللغة من القضايا الهامة التي مازالت تحتمل المزيد من التأمل والتحرير والضبط ، إذ تتكرر الإشارات و التنبيهات على أهمية معرفة العربية و أهمية إتقانها لفهم الشريعة و مصادرها ، واعتبارها عاملًا أساسيًا جامعًا عند الحديث عن أيّ محاولة جادة للوحدة الثقافية بين المسلمين . و في هذا السياق تبرز مسألةٌ خطيرة لا بد من معالجتها بجرأة و أناة لما يترتب عليها من واجبات و مسؤوليات مضيّعة في حياتنا الفكرية و العملية .وتتمثل هذا المسألة في أنه لابد من التنبيه على قضية الدعوة و البيان و إقامة الحجة على الناس تحقيقًا للعدل الذي كتبه الله سبحانه على نفسه {و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} .
خاتم النبيين
فمن الحقائق الدينية المعلومة لدى الخاصة و العامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرسل للناس كافة ، وأنه خاتم النبيين ، وأنه لا نبي بعده ، و أنه أرسل رحمةً للعالمين . ومن الحقائق الدينية المعلومة بالضرورة أن القرآن الكريم عربي ، وأنه نزل بلسان عربي مبين، فلا بد لمعرفة معاني القرآن و لمعرفة مراد الله سبحانه من آياته وأحكامه ، لابد من معرفة لسان العرب و معرفة تصاريف استعمالاتهم للعبارات والتراكيب ، حتى أن الإمام الشاطبي يقرر أن كل ما لا تفهمه العرب من القرآن فليس من الشريعة ، و يفوت المرء من معرفة القرآن بقدر ما فاته من معرفة كلام العرب .
وضوح الحجة
ومن الحقائق الدينية المعلومة كذلك أن الله تعالى أراد أن تقع الحجة على الناس ببيان يفهمونه وهديٍ يدركون معانيه {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة} ، {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} . وقد امتنّ الله سبحانه على العرب أنه أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم يعرف طباعهم ويفهم طبيعتهم ومواضع حساسياتهم فوصفه الله تعالى بأنه {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} .
ومن جهةٍ أُخرى ، فإن من الحقائق المعلومة أن نسبة من يفهمون العربية من سكان الأرض لا تعدو واحدًا في المائة على أحسن تقدير . و هنا لا بد من سؤال: ما هي الوسائل التي يجب على المسلمين في كل جيل وفي كل عصر اتباعها ليؤدوا مهمة البلاغ المبين ؟
إن طرح هذا السؤال لا يأتي من قبيل الترف و السفسطة وإنما يأتي في إطار الاستجابة الواعية للمسؤولية التي حمّلها الله سبحانه لأمة القرآن بقوله تعالى: {وإنه لذكرٌ لك و لقومك وسوف تسألون} . و لعل من البداهة أن ننظر في الوسائل التي اتبعها المسلمون لتحقيق البلاغ المبين بين الأمم و الشعوب التي أُرسل إليها محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من لا يفهم لغته و لا يدرك من معاني قرآنه شيئًا ؟
والجواب على هذا السؤال على بساطته لا بد له من تحرير وضبط ، رغم أن المرء يحسبُ أن الأمر كان على درجةٍ من البداهة بحيث لم يجد من رواة الأخبار اهتمامًا كافيًا . فرغم أن النبي e أرسل بكتبه ورسله إلى أربعة من ملوك عصره ممن لا يتكلمون العربية وهم هرقل و كسرى و المقوقس و النجاشي ، إلا أنه لم ترد تفاصيل الحديث عن الترجمة و الترجمان إلا في حديث هرقل مع أبي سفيان . والمهم في الموضوع أن النبي صلى الله عليه و سلم أرسل هذه الكتب بالعربية إلى من يتحدث بغير لسانها ثقةً و معرفةً بوجود الترجمة والمترجمين . فكتبه ورسائله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك عصره تشهد أن الحجة تُقام برسالةٍ مترجمةٍ و بيانٍ مترجم .
روى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركبٍ من قريش و كانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم عاهد فيها أبا سفيان و كفار قريش . فأتوه و هم بإيلياء فدعاهم في مجلسه و حوله عظماء الروم ثم دعاهم و دعا بترجمانه (إلى آخر الحديث) ..
و أفرد البخاري في صحيحه بابًا لما يجوز من تفسير التوراة و غيرها من كتب الله بالعربية و غيرها ، لقوله تعالى )فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين(. وقال ابن عباس: أخبرني أبو سفيان بن حرب أن هرقل دعا بترجمانه ثم دعا بكتاب النبي صلى الله عليه و سلم فقرأه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل و {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ..} الآية .
وذكر البخاري في كتاب الأحكام عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود"حتى كتبت للنبي صلى الله عليه و سلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه". وروى البخاري في كتاب الجزية و الموادعة عن جبير بن حية قال: ندبنا عمر و استعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو و خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا ، فقام ترجمان فقال ليكلمني رجل منكم ، فقال المغيرة سل عما شئت… الحديث .
تغير اللسان آية ومنة