الصفحة 837 من 3812

ويرى بعض العلماء أن الوعظ خاص بالإنكار على المسلمين ، منهم الشيخ أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ حيث قال: الوعظ يكون لمن أقدم على الأمر ،وهو عالم بكونه منكرًا ، أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرًا ، كالذي يواظب على الشرب ، أو على الظلم ، أو على اغتياب المسلمين. (16)

قلت: من خلال الأمثلة التي ذكرها الشيخ أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ يفهم أنه قصر الوعظ على الإنكار على المسلمين ، والصحيح عدم قصره عليهم فقط بل يعم الكافرين ، وذلك لعدة أوجه:

الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى سمى القرآن موعظة وهو مليء بالمواعظ ، وقد أرسل به الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قريش وقد كانت أمة كافرة تعبد الأصنام قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } (17) قال الزمخشري: أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ، شفاء أي: دواء لما في صدوركم من العقائد الفاسدة، ودعاء إلى الحق ورحمة لمن آمن به منكم. (18)

قالت الباحثة: فإذا كان الخطاب موجهًا للناس جميعًا ومنهم الكافرون أو كان لقريش خاصة ، وقد سمي موعظة فدليل أن الكافرين يدعون بالوعظ ، كما أن الوعظ هنا في التوحيد ، والتوحيد يخاطب به أيضًا الكافرون .

والوجه الثاني: أن الله تعالى قد خص سورة هود في أن فيها موعظة للكافرين وتذكره لللمؤمنين ، لشمولها على أحوال الأمم السابقة المكذبة لرسلهم ، فعندما قص قصصهم قال تعالى: - في آخر السورة - {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} (19) قال الطبري: وجاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله وتبين لهم عِبره ممن كفر به وكذّب رسله. وتذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا يغفلوا عن الواجب لله عليهم. (20) وقال القرطبي: الموعظة ما يُتّعظ به من إهلاك الأمم الماضية، والقرون الخالية المكذبة؛ وهذا تشريف لهذه السّورة؛ لأن غيرها من السّور قد جاء فيها الحقّ والموعظة والذّكرى ولم يقل فيها كما قال في هذه على التّخصيص. (21)

والوجه الثالث: خطاب الله سبحانه وتعالى للكافرين بالوعظ في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (22) فالله سبحانه وتعالى أطلق على هذا الخطاب وعظًا وهو موجه لكفار قريش وفي هذا الخطاب يطالبهم بالتفكر والتأمل ليثبت لهم عكس ما ادعوه .

والوجه الرابع: إسلام عثمان بن مظعون عندما سمع أجمع آية في القرآن في الوعظ ، وقد أطلق الله سبحانه وتعالى عليها وعظًا وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (23) عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم- بِفِنَاءِ بَيْتِهِ بِمَكَّةَ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَكَشَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( ألَا تَجْلِسُ ) قال: {بَلَى } قال: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَقْبِلَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُهُ إِذْ شَخَصَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَنَظَرَ سَاعَةً إِلَى السَّمَاءِ فَأَخَذَ يَضَعُ بَصَرَهُ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْأَرْضِ فَتَحَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ إِلَى حَيْثُ وَضَعَ بَصَرَهُ وَأَخَذَ يُنْغِضُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْقِهُ مَا يُقال: لَهُ وَابْنُ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَاسْتَفْقَهَ مَا يُقال لَهُ ، شَخَصَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى السَّمَاءِ كَمَا شَخَصَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ حَتَّى تَوَارَى فِي السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَى عُثْمَانَ بِجِلْسَتِهِ الْأُولَى قال: { يَا مُحَمَّدُ فِيمَ كُنْتُ أُجَالِسُكَ وَآتِيكَ مَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ كَفِعْلِكَ الْغَدَاةَ } قال: ( وَمَا رَأَيْتَنِي فَعَلْتُ ؟ ) قال: رَأَيْتُكَ تَشْخَصُ بِبَصَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعْتَهُ حَيْثُ وَضَعْتَهُ عَلَى يَمِينِكَ فَتَحَرَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَرَكْتَنِي فَأَخَذْتَ تُنْغِضُ رَأْسَكَ كَأَنَّكَ تَسْتَفْقِهُ شَيْئًا يُقال لَكَ قال: وَفَطِنْتَ لِذَاكَ قال عُثْمَان ُ: نَعَمْ ، قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ) أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وَأَنْتَ جَالِسٌ ( قال: رَسُولُ اللَّهِ ؟ قال: ) نَعَمْ (قال: {فَمَا قال لَكَ ؟ } قال: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (24) قال عُثْمَانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي وَأَحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ) (25) (26)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت