حين باءت أساليب مقاومة كفار قريش بالفشل؛ لجئوا إلى عمه أبي طالب، وقال زعماؤهم: ( يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسَفه أحلامنا، فإما أن تكفه عنّا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه ) ، فردّهم أبو طالب ردًا جميلا دون أن يتوقف صلى الله عليه وسلم عن نشاطه، أو يتهاون في الدعوة، فعاودوا الكرة، وخاطبوا أبا طالب بلهجة المتوعد المهدد، وأنهم لن يصبروا على هذا الحال، وخيّروه بين أن يمنعه عمّا يقول، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الطرفين، فعظم الأمر على أبي طالب فكلّم محمدًا صلى الله عليه وسلم بما جاء به إليه قومه وقال له:
( يا ابن أخي، إن قومك جاءوني وقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق ) .
فكان ردّ المبلّغ الداعية إلى الحقّ، الذي يحمل نفسًا أبيّة لا تعرف الذل، ولا تنحنى للوهن، ينظر إلى خصمه من علٍ؛ لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة المشرك وعظمته، يستعلي على الدنيا بإيمانه، فهو على الحق وإن لقي العنت الشديد, قال صلى الله عليه وسلم: ( مَا أَنَا بِأَقدِرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذلِكَ عَلَى أَنَ تُشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً - يَعْنِي الشَّمْسَ- ) رواه أبو يعلى وابن عساكر، فطمأنه أبو طالب ووعده الاستمرار في حمايته.
فعاد زعماء قريش إلى أبي طالب يعرضون عليه عمارة بن الوليد أوسم شباب قريش؛ ليسلموه إليه على أن يسلمهم محمدًا صلى الله عليه وسلم، فردهم ساخرًا بقوله: ( بئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه ) ، فاتجه بعضهم إلى إنزال الأذى بالرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة.
ومن الذين اشتدوا في إيذائه صلى الله عليه وسلم: أبو جهل، وأبو لهب عمه، وأم جميل زوجة أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، ولكنّ إسلام حمزة، ثم عمر بن الخطاب كفّ القرشيين عن بعض ما كانوا ينالون به الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى خوفًا منهما.
وفي أثناء ذلك استمر القرآن الكريم يردّد مشاهد الشدة والعنف مع المشركين ويندّد بهم، وينذرهم بسوء المصير، ويصبّر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويعدهم بالنصر والتأييد، وحسن العاقبة.
7-أسلوب المقاطعة:
ازداد حنق المشركين من قريش إزاء صبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين على الأذى والتعذيب وإصرارهم في المضي بالدعوة، وإزاء فشو الإسلام في القبائل، فاجتمعوا وائتمروا، وقرروا مقاطعة المسلمين وبني هاشم دون أبي لهب، فلا يتزوجون منهم ولا يزوّجونهم، ولا يبيعون لهم شيئًا، ولا يشترون منهم، وتعاهدوا وتواثقوا على ذلك، وعلقوا صحيفة المقاطعة بالكعبة، فاضطر بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى النزوح إلى شعب أبي طالب شرقي مكة، وقطعت عنهم قريش كل أنواع المؤن، ولم يكن يتاح لهم الاختلاط بغيرهم من الناس إلا في الأشهر الحرم حين يفد العرب إلى مكة لزيارة البيت الحرام, وبلغ بهم الجهد حدًا لا يطاق، فذاقوا الجوع والحرمان حوالي ثلاث سنوات لا يصل إليهم القوت إلا خفية.
وأخيرًا أخذت الحمية والرأفة نفرًا من القرشيين، منهم: هشام بن عمرو ابن الحارث العامري, وزهير بن أمية بن المغيرة المخزومي, والمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف, وأبو البختري بن هشام, والأسود بن عبد المطلب بن أسد, وتعاهدوا على نقض الصحيفة رغم اعتراض أبي جهل, وخرجوا إلى بني هاشم، وبني عبد المطلب، وطلبوا منهم العودة إلى منازلهم، وشقوا الصحيفة، فوجدوا الأرض قد أكلتها إلا ما كان من: ( باسمك اللهم ) ، وهي فاتحة ما كانت تكتب قريش.
8-القتل أو الحبس أو النفي:
اجتمع مشركوا قريش في دار الندوة، فتشاوروا في أمر الدعوة الإسلامية، ففكروا في ثلاث وسائل، وهي: حبسه صلى الله عليه وسلم، أو اغتياله، أو نفيه، قال تعالى: { وَإِذ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ( 30 ) سورة الأنفال، واتفق رأيهم أخيرًا على قتله شريطة اشتراك شبان من مختلف بيوتات قريش؛ حتى يتوزع دمه فلا يستطيع آله المطالبة بدمه.
علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج من داره ليلا بعد أن ترك عليًا ليقوم بتأدية الأمانات، وشق طريقه مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه إلى المدينة المنورة، لتتشرف باستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبدأ الدعوة مرحلة جديدة مليئة بالكفاح والنضال والجهاد.
كاتب المقال: د. جميل بن عبد الله المصري .
المصدر: مفكرة الإسلام.
ضرورة الدعوة إلى الله
حاجة الإنسانية إلى الرسل ماسة، وضرورة الدعوة إلى الله مُلحّة، والدعوة في صدر الإسلام أدت مهمتها وحققت غايتها، فأخرجت الناس من الظلمات إلى النور، وجعلت من الحفاة العراة أئمة ودعاة، وفي غزوة تبوك لما تأخر عليهم - صلى الله عليه وسلم - في وضوئه لصلاة الصبح وكان من عادته - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أن يبعد وكان معه المغيرة بن شعبة، ولما استبطؤا عودته - صلى الله عليه وسلم - وخافوا خروج الوقت قدموا ابن عوف فصلى بهم، وقد وصل - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاتهم بركعة، فَهَمَّ المغيرة أن يشعرهم ليتأخر إمامهم فمنعه - صلى الله عليه وسلم - وقام في الصف مع المصلين، ولما أنهوا صلاتهم قام فأتى بالركعة التي سبقوه بها، فرأى منهم تحسرًا وأسفًا فقال: ( إن الله لم يقبض نبيًا حتى يصلي خلف رجل من أصحابه) ، ففيه إشعار أن دعوته قد أثمرت وأصبح أصحابه مؤهلين لإمامة العالم وقد كان.