فهرس الكتاب
فخاطب العقل بالبرهان، وحرك سواكن الوجدان، وأشرف على النفوس من شرفات التأثير، وبصرها بحسن العاقبة أو سوء المصير.
و الأديان والمذاهب لا تنتشر إلا بالدعوة، ولا تطوى إلا بتركها، وإن الشرط في انتشارها هو كون الدعوة صحيحة لا كونها هي صحيحة في نفسها، ولا بد من بيان شروط الدعوة وآدابها خدمة لمن يوفقه الله تعالى من فضلاء المسلمين وعلمائهم وأهل الغيرة والحمية منهم، لإقامة هذا الركن الأعظم، والقيام بهذا الفرض الاجتماعي المحتم، والتصدي لإرشاد هؤلاء الملايين الذين يتشدقون بكلمة (الإسلام) ولا يعلمون مسماها، ويتمسكون بلفظها ولا يفقهون حقيقة معناها، فقد قام فيهم دعاة يهتفون باسم المهدية، ومرشدون يدعون سلوك الطريقة الصوفية، ولكن أحدا منهم لم يرع الدعوة حق رعايتها، ويقف من الطريق على جادتها، فطاشت سهامهم،وخسرت أيامهم وزادوا شمل الأمة تفريقا، وأديم الدين تمزيقا، على أن منهم من دعا إلى حق ولكن بغير حكمة، ولا مراعاة لما تقتضيه سياسة الأمة، وأمر بمعروف ولكن على غير المنهج المعروف، ونهى عن منكر ولكن على غير الوجه المألوف.
علمتنا الآية الكريمة التي افتتحنا بها هذه المقالة أن للدعوة طريقتين: الحكمة والموعظة الحسنة:
فأما الحكمة فهي لخطاب العقل بالبرهان وأما الموعظة فهي للتأثير في النفس بمخاطبة الوجدان، فالأولى للخواص والثانية للعوام والمقصد واحد، ولا يحتاج إلى الطريقتين إلا من يدعو إلى حق موافق لمصلحة الناس الحقيقية، ولذلك قام أكثر الدعاة في العالم على الطريقة الثانية ووقفوا على منبر الخطابة ابتغاء إقناع النفوس بالمسلمات وجذبهم بزمام الوجدان حيث السلطان الأعلى للقياسات الخطابية والشعرية، لا للحجج البرهانية، وإذا نجح هؤلاء في كل عصر مضى فلا يدوم نجاحهم في هذا العصر لأن العلم الحقيقي الرائجة سوقه فيه خصم لهم، وهو الخصم الذي لا يغالب، والقرن الذي لا يناهز، والناطق الذي لا تدحض حجته، والسالك الذي لا تنطمس محجته.
ذكر الله الطريقتين ثم ذكر كيفية السلوك فيهما، والسير عليهما، وهي المجادلة بالتي هي أحسن، الهادية للتي هي أقوم، ويشترط في هذه المجادلة بل وفي أصل الدعوة شروط:
1-العلم بلغة من يراد دعوتهم ومجادلتهم، ولهذا ترى دعاة النصرانية يتعلمون جميع اللغات وينقلون إليها كتبهم الدينية، وأما رجال الدين من المسلمين فيرون في تعلم اللغات إعراضا عن الدين الذي لا وظيفة لهم إلا القيام بحفظه ونصرته، ونشره وتعميم دعوته، وقد علمنا أن الداعي الذي في الهند عارف باللغات المنتشرة هنالك كالأوردية والفارسية والإنكليزية كما هو عارف بالعربية، والشاهد لهذا الشرط من الكتاب العزيز قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم(.
2-العلم بأخلاق الناس وعاداتهم، ومواقع أهوائهم ورغباتهم، ليخاطبهم بما يعقلون ويجادلهم بما يفهمون وأكثر المشتغلين عندنا بعلم الدين يرون البحث في الأخلاق والعادات من تضييع الأوقات والتنقيب عن شؤون الدهماء لا يليق بمقام العلماء.
3-الوقوف على ما عندهم من المذاهب والتقاليد الدينية والعلوم والفنون الدنيوية، ما يتعلق منها بالدعوة، ويصلح أن يكون شبهة، ومن جهل هذا القدر كان عاجزا عن إزالة الشبهات، وحل عقد المشكلات، ومن فاته هذا الشرط وما قبله لا يقدر أن يخاطب الناس على قدر العقول والأحلام، كما كان شأن سادة الدعاة إلى الله عليهم الصلاة والسلام.
ولقد علم رؤساء الديانة النصرانية أن ما كان جهلهم بالعلوم الكونية ومعاداتهم لها، وتحكيمهم الدين فيها، مؤذن باضمحلالها ومفض إلى زوالها، فأخذوا بزمامها، وقادوها بخطامها، وقربوا بين عالمي الملك والملكوت، وقرنوا بين علمي الناسوت واللاهوت، وبهذا أمكنهم حفظ حرمة الدين وإعلاء كلمته بين العالمين، وديننا هو الذي ربط بين العالمين ولكنا نقطع الروابط، وجميع العلمين ولكننا نهدم الجوامع، ولهذا جهلنا وتعلموا، وسكتنا وتكلموا، وتأخرنا وتقدموا، ونقصنا وزادوا، واستعبدنا وسادوا.
4-إلقاء الدعوة بصوت ينبه العقول والفكر، وصيحة تستلفتها إلى البحث والنظر، وتشوق النفوس إلى غايتها، وتخيفها من مغبة مخالفتها، هذا الشرط قد نطق به المتكلمون ونص بعضهم على أن من لم تبلغه الدعوة على وجه يستلفت إلى النظر يكون معذورا إذا بقي على كفره، ولا يمكن تحديد هذا الشرط إلا ببيان ما يدعو إليه الداعون، ويرشد إليه المصلحون، ومن نظر في تاريخ الملل، وأخبار دعاة المذاهب والنحل، يعلم أنه لم ينشر مذهب ولا دين، إلا وكان هذا الشرط ركنه الركين. ومن شواهده في القرآن العزيز قوله تعالى: ( وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغا) .