الصفحة 89 من 3812

إنه مشهد عجيب حي موح . والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء ، جيئة من هنا وذهابًا من هناك . بدلًا من التعبير الذهني المجرد ، الذي لا يحرك خيالًا ولا يلمس حسًا ولا يستجيش وجدانًا ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ .

فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية ، فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيرًا ذهنيًا أيًا كان . لنقل مثلًا: الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران . . إن التعبير يموت بين أيدينا ، ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع!

وإلى جانب التعبير المصور الحي الموحي نلتقي بدقة التعبير عن الحقيقة:

{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } . .

إن الإيمان نور . . نور واحد في طبيعته وحقيقته . . وإن الكفر ظلمات . . ظلمات متعددة متنوعة . ولكنها كلها ظلمات .

وما من حقيقة أصدق ولا أدق من التعبير عن الإيمان بالنور ، والتعبير عن الكفر بالظلمة .

إن الإيمان نور يشرق به كيان المؤمن أول ما ينبثق في ضميره . تشرق به روحه فتشف وتصفو وتشع من حولها نورًا ووضاءة ووضوحًا . . نور يكشف حقائق الأشياء وحقائق القيم وحقائق التصورات ، فيراها قلب المؤمن واضحة بغير غبش ، بينة بغير لبس ، مستقرة في مواضعها بغير أرجحة؛ فيأخذ منها ما يأخذ ويدع منها ما يدع في هوادة وطمأنينة وثقة وقرار لا أرجحة فيه . . نور يكشف الطريق إلى الناموس الكوني فيطابق المؤمن بين حركته وحركة الناموس الكوني من حوله ومن خلاله؛ ويمضي في طريقه إلى الله هينًا لينًا لا يعتسف ولا يصطدم بالنتوءات ، ولا يخبط هنا وهناك . فالطريق في فطرته مكشوف معروف .

وهو نور واحد يهدي إلى طريق واحد . فأما ضلال الكفر فظلمات شتى منوعة . . ظلمة الهوى والشهوة . وظلمة الشرود والتيه . وظلمة الكبر والطغيان . وظلمة الضعف والذلة . وظلمة الرياء والنفاق . وظلمة الطمع والسعر . وظلمة الشك والقلق . . . وظلمات شتى لا يأخذها الحصر تتجمع كلها عند الشرود عن طريق الله ، والتلقي من غير الله ، والاحتكام لغير منهج الله . . وما يترك الإنسان نور الله الواحد الذي لا يتعدد .

نور الحق الواحد الذي لا يتلبس . حتى يدخل في الظلمات من شتى الأنواع وشتى الأصناف . . وكلها ظلمات . . !

والعاقبة هي اللائقة بأصحاب الظلمات:

{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . . وإذ لم يهتدوا بالنور ، فليخلدوا إذن في النار!

إن الحق واحد لا يتعدد والضلال ألوان وأنماط . . فماذا بعد الحق إلا الضلال؟

وقبل أن ننتقل من هذا الدرس يحسن أن نقول كلمة عن قاعدة: { لا إكراه في الدين } إلى جوار فرضية الجهاد في الإسلام ، والمواقع التي خاضها الإسلام . وقوله تعالى في آية سابقة: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } .

إن بعض المغرضين من أعداء الإسلام يرمونه بالتناقض؛ فيزعمون أنه فرض بالسيف ، في الوقت الذي قرر فيه: أن لا إكراه في الدين . . أما بعضهم الآخر فيتظاهر بأنه يدفع عن الإسلام هذه التهمة؛ وهو يحاول في خبث أن يخمد في حس المسلم روح الجهاد؛ ويهون من شأن هذه الأداة في تاريخ الإسلام وفي قيامه وانتشاره . ويوحي إلى المسلمين - بطريق ملتوية ناعمة ماكرة - أن لا ضرورة اليوم أو غدًا للاستعانة بهذه الأداة! وذلك كله في صورة من يدفع التهمة الجارحة عن الإسلام! . .

وهؤلاء وهؤلاء كلاهما من المستشرقين الذين يعملون في حقل واحد في حرب الإسلام ، وتحريف منهجه ، وقتل إيحاءاته الموحية في حس المسلمين ، كي يأمنوا انبعاث هذا الروح ، الذي لم يقفوا له مرة في ميدان! والذي أمنوا واطمأنوا منذ أن خدروه وكبلوه بشتى الوسائل ، وكالوا له الضربات الساحقة الوحشية في كل مكان! وألقوا في خلد المسلمين أن الحرب بين الاستعمار وبين وطنهم ليست حرب عقيدة أبدًا تقتضي الجهاد! إنما هي فقط حرب أسواق وخامات ومراكز وقواعد ومن ثم فلا داعي للجهاد!

لقد انتضى الإسلام السيف ، وناضل وجاهد في تاريخه الطويل . لا ليكره أحدًا على الإسلام ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد .

جاهد الإسلام أولا ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها؛ وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم . وقرر ذلك المبدأ العظيم الذي سلف تقريره في هذه السورة - في الجزء الثاني - { والفتنة أشد من القتل } . فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها ، وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها . فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم . وإذا كان المؤمن مأذونًا في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله ، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه . . وقد كان المسلمون يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون ، ولم يكن لهم بد أن يدفعوا هذه الفتنة عن أعز ما يملكون . يسامون الفتنة عن عقيدتهم ، ويؤذون فيها في مواطن من الأرض شتى . وقد شهدت الأندلس من بشاعة التعذيب الوحشي والتقتيل الجماعي لفتنة المسلمين عن دينهم ، وفتنة أصحاب المذاهب المسيحية الأخرى ليرتدوا إلى الكثلكة ، ما ترك اسبانيا اليوم ولا ظل فيها للإسلام! ولا للمذاهب المسيحية الأخرى ذاتها! كما شهد بيت المقدس وما حوله بشاعة الهجمات الصليبية التي لم تكن موجهة إلا للعقيدة والإجهاز عليها؛ والتي خاضها المسلمون في هذه المنطقة تحت لواء العقيدة وحدها فانتصروا فيها؛ وحموا هذه البقعة من مصير الأندلس الأليم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت