الصفحة 920 من 3812

إن أبا الدرداء رضي الله عنه عندما قال لهم (( واحمدوا الله الذي عافاكم ) )إنما أراد أن يذكرهم فضل الله عليهم إذ هداهم للإيمان، ولولا فضل الله عليهم لربما كانوا مثل ذلك الذي يسبونه أو أشد، وأراد أن يذكرهم بنعمة الهداية والتي أنعمها الله على من كان منهم في جاهلية معتمة، فهلا تذكرون الأيام الخوالي فيتنفسوا الصعداء، ويستشعروا نعمة الله عليهم ويقولوا (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ويكون ذلك دافعا لهم بأن يشفقوا على أصحاب المعاصي، ويكفوا عن سبهم، بل يفكروا كيف ينتشلوهم من الوحل الذي يتمرغون فيه، وبعد كل ذلك لا بد أن يفكروا دائما في تقصيرهم تجاه من هداهم للإيمان، ويحاولوا دائما إكمال نقصهم، فهذا هو التابعي الربيع بن خثيم الذي تكاملت صفاته حتى قال له ابن مسعود (( لو رآك رسول الله لأحبك ) ).

يغتاب في مجلس رجل، وكأن القوم أرادوا أن يشاركهم في ذم ذلك الرجل فقال (( ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس إن الناس خافوا الله في ذنوب العباد وأمنوا على ذنوبهم ) ).

وكما أن القاعدة التي علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .. ) )فكذلك الحال فيمن يقع في أعراض الناس، ويسبهم ويحتقرهم ويحقد عليهم إنما دعاه لذلك نسيانه لذنوبه وعيوبه وتقصيره.

• صلة يتفنن بالإنكار..

ويمر فتى يجر ثوبه بأصحاب التابعي المشهور صلة بن أشيم، ويهمون أن يأخذوه بألسنتهم أخذا شديدا، فساءه ذلك، وأراد أن يريهم درسا عمليا بفن الإنكار فقال لهم (( دعوني أكفكم أمره، ثم قال:

يا ابن أخي أن لي إليك حاجة.

قال: ما هي؟

قال: أحب أن ترفع إزارك.

قال: نعم ونعمى عيني - أن أقر عينك بطاعتك واتباع أمرك - فرفع إزاره.

فقال صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم )) .

فكم من شتيمة نسمعها من أصحاب الضلال بين الحين والآخر، بسبب تصرف كتصرف أصحاب صلة.

• متى تستخدمي الغلظة..

ومع أن الأصل في دعوة الناس هو الرفق والمداراة، إلا أن بعض أنواع الناس لا ينفع معه الرفق، بل إن الرفق يجعله يتمادى في منكره، ويجعله يتجرأ ويستخدم يده لضرب صاحب الإنكار، وربما أثر إلا أنه بمنكره على بعض الضعاف فيجعلهم يتشجعون لفعل المناكر جهارا أمام الناس، خاصة إذا كان منكره يحمل طعنا في العقيدة وفي مثل هذا الوضع لا بد لصاحب الإنكار أن يقوم بزجر صاحب المنكر، وأن يريه غضبه على ذلك، حتى يكون هذا سببا لردعه في التمادي في منكره، لهذا يقول الإمام أحمد:

(( والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق، الأمر بالمعروف بلا غلظة، إلا رجل معلن بالفسق، فقد وجب عليك نهيه وإعلامه، لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة فهؤلاء لا حرمة لهم ) ).

من صفات المرأة الداعية

ذا كنّا نتحدث عن الفتاة الملتزمة؛ فإنني لا أكاد أتصور فتاة أو رجلًا ملتزمًا يمكن أن يكون غير داع - في مثل هذه الظروف الواقعة الآن - لأن من الالتزام أن يدعو الإنسان.

ومعنى كون المرأة ملتزمة؛ أنها مطيعة لربها، والله ـ عز وجل ـ يقول: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [التوبة:71] . فأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر؛ جزء من التزامها، وقيامها بالدعوة - أيضًا - جزء من التزامها؛ لأن الله تعالى يقول: ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: 110] ،

ويقول تعالى أيضًا (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ( [البقرة: 143] .

وقد أثبتت التجارب والأحداث الكثيرة، أن هذه الأمة -رجالًا ونساء - لديها قدرة على قبول الحق؛ بل لديها رغبة في إيجاد الحق والتزامه، فلا عبرة بقول إنسان إنه ملتزم لكنه غير داعية، لا يمكن هذا؛ لأن الملتزم -رجلًا كان أو امرأة- هو داعية إلى الله؛ إذ إنّ التزامه يعني أنه مطيع لله، والذي أمره بالصلاة هو الذي أمره بالدعوة، وهو الذي أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمكن أن نفرق بين هذا وذاك بحال من الأحوال، وينبغي أن نعلم بأن كل صفة نتصورها من الرجل الداعي؛ يجب أن تكون أيضًا في المرأة الداعية.

وسوف نتناول بعض الصفات المهمة التي تطلب من الفتاة والمرأة الداعية، كما هي مطلوبة أيضًا من الرجل الداعي:

*الصفة الأولى: العلم بما تدعو إليه:

يجب على المرأة الداعية أن تدعو إلى الله على بصيرة وعلى علم، فلا يمكن أن تدعو إلى شيء وهي لا تعلم هل هو من الشرع أم لا، هل هو من العبادات، أم من العادات، هل هو من الأمور الدينية، أم من التقاليد الاجتماعية الموروثة -مثلًا-؟!

والشرع واضح بحمد الله: إما آية محكمة، أوسنة ماضية، أو إجماع قائم، أو قول معروف مبني على اجتهاد صحيح واضح كالشمس. فلابد أن تعرف المرأة المسلمة الأمر الذي تدعو إليه بدليله، بحيث إذا قال لها أحد: ما الدليل؟ أو لماذا؟ استطاعت أن تجيبه عن ذلك.

*الصفة الثانية: القدوة الحسنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت