التمهيد
مكانة القاضي بعامة:
للقضاء في الإسلام منزلة عالية رفيعة، ولا أدل على ذلك من كونه من فروض الكفاية؛ حيث إن أمر الناس لا يستقيم بدونه فصار واجبًا عليهم. يقول الإمام أحمد رحمه الله-: لابد للناس من حاكم حتى لا تذهب حقوق الناس؛ كما أن فيه أمرًا بالمعروف وأداء للحق إلى مستحقه، ونصرة للمظلوم، وردًا للظالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين الناس، وفضًا للمنازعات بينهم، وتخليصًا لبعضهم من بعض وكل ما مر من أبواب القُرب.
لذا تولاه المصطفى صلى الله عليه وسلم بنفسه، وولى بعض صحابته كعلي ومعاذ-رضي الله عنهما- [1] .
ومن جهة أخرى فيه مسؤولية وخطر عظيم، ووزر كبير لمن لم يؤد حقه فيه مما حدا بكثير من السلف إلى الامتناع عن تولي القضاء [2] .
ولو تابعنا كتب الفقه لوجدنا كثيرًا منها تحاول أن تطبق على تولي القضاء الأحكام التكليفة الخمسة.
لكن هذه المسئولية تنقلب حقًا وكسبًا للقاضي في الدنيا والآخرة إذا أدى حق هذا المنصب، واجتهد في التحقق، وتوخي الحق في الشهادات والبينات المطروقة بين يديه للنظر فيها.
ومن الأمور المقررة في علم القضاء أن مسئولية القاضي قد تكون عامة من جميع الوجوه"تولي عموم النظر في عموم العمل"ومن هنا يدخل فيها من نحن بصدد الحديث عنه مسؤولية القاضي في التحقق من رؤية الهلال.
وهي مسألة تتعلق بعبادات كثيرة لعل أبرزها ثبوت دخول شهر رمضان المبارك وكذلك خروجه، ومسألة ثبوت دخول شهر ذي الحجة؛ لأداء مناسك الحج في أوقاتها المحددة شرعًا.
(1) انظر المغني 9/ 74.
(2) المرجع السابق صفحة 35.