والمقصود من ذلك كله أن يوحدوا الله تعالى بالطاعة والعبادة، ويخلصوا له العمل والاعتصام بحبل الله يتضمن الاجتماع على الحق، والتعاون على البر والتقوى والتناصر على أعداء الله وأعداء المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولذلك بعد أن أمر الله تعالى بالاعتصام بحبله، وهو الاجتماع على دينه والاحتماء به، أكد ذلك بالنهي عن الفرقة، فقال تعالى: (وَلاَ تَفَرَّقُوا) قال ابن جرير:"يعني ألا تفرقوا عن دين الله وعهده إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعة الله، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والانتهاء إلى أمره"، ثم روى عن قتادة، قال: إن الله تعالى كره لكم الفرقة، وقدم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله.
وروى عن ابن مسعود قال:"يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تحبون في الفرقة" [1] .
ومن الأمور المسلم بها أنه لابد للناس من أمر يجتمعون عليه، يحكم بين المختلفين ويفصل بين المتنازعين إذ الاختلاف من طبيعتهم، ولابد له ممن يأبى ذلك، وينفذ الأحكام، حتى يأمن الناس على أنفسهم، وأموالهم، ويكون اتجاههم واحدًا.
ولهذا اتفقت المجتمعات على اختلاف أديانها، ووجهاتها على وضع قانون يرجعون إليه عند الاختلاف، ويحكمونه عند المنازعات، فهو من الضروريات التي لا تصلح دنياهم إلا به.
ومعلوم أن الإنسان ظلوم جهول، فلا بد أن يقع في الجهل والظلم في وضع القانون وغيره، ولذلك أنزل الله تعالى الشرائع من عنده، لتحكم بين العباد بالعدل وأوجب تعالى عباده الرجوع إلى شرعه، عند الاختلاف، ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وجعل ذلك شرطا فيه، ونهاهم تعالى عن التفرق والانقسام، بعد الاجتماع والاعتصام بكتاب الله تعالى في التفرق من زوال الوحدة التي هي معقد العز والقوة فبالاجتماع تقوى الأمة، وبالقوة يعتز الحق فيعلو على الباطل، ويحفظ من
(1) ابن جرير، ح7، ص75.