فهرس الكتاب
وعلى ضوء ما سبق عرضه، ومن خلال دارسة بعض نماذج الأداء البياني لمعاني الصور الشعرية عند ابن شهيد الأندلسي، نخلص إلى أن الشاعر لم ينتهج في نسج أوصافه، وأغراضه أسلوبًا فنيًا ثابتًا، ولم يلتزم في بناء الصور، أوفي مستوى أدائها الفني، ودلالتها على المعنى وتيرة بلاغية واحدة، أو منهجًا سياقيًا، وتركيبيًا مكررًا، بل هو مزيج تعبيري منسجم ما بين طبيعته الشخصية، ومعانيه النفسية، وخيالاته الفكرية، التي تعبر عن قناعاته الذاتية، وآرائه الخاصة؛ وبين صياغات صوره البلاغية، ومضامينها المعنوية، وتأثيراتها الحسية، والانفعالية، في سياق موضوعات أغراضه الشعرية، وفنونه الأدبية، فبينما نجدها أعمق ما تكون وصفًا وأقوى تمثلًا وإثارة لعاطفة الحزن واليأس في غرض الرثاء خاصة حين يرثي نفسه، - نظرًا لأن إحساس الشاعر بالحزن والخوف من الموت غالبًا ما يتصدر معاني الرثاء في شعره- إذ تبدو أكثر تباينًا في المدح , فللعامرين في نفسه مكانة وفي شعره ميزة لا تُمنح لغيرهم من الممدوحين، ومن يمدحه حبًا واعترافًا بالجميل كالمعتلي لا كمن يمدحه اعتذارًا كالمستعين، أما الهجاء والفخر فقد كان لسان حال ابن شهيد المعبر بصدق وعمق عن نظرته الشخصية لتقييم نفسه وقدرته الأدبية، إذ يهتم في كليهما بإشاعة التهكم والسخرية من الغير، وتعزيز معنى التميز والتفرد الذي تعتقده نفسه وتثيره لدى القارئ وتُذكر به في جميع المواضع - لذلك لا نبالغ إذ قلنا أن الفخر هو المعنى الشعري الذي يظهر كثيرًا فيما بين أغراض قصائده على تنوع معانيها في الديوان- أم الشكوى فهو الغرض الذي تضاءل ظهوره في ديوانه نظرًا لقلة ما نظمه وتناوله فيه من معانٍ وأوصاف تنبئ عن ضعف ذاتي تترفع عن أن توصف به نفس ابن شهيد؛ غير أنها قلة تحمل عمق الشعور بالحزن، والبلاغة في تصوير معنى الألم، والأمر نفسه نجده يتجلى في غرض الحكمة، أما في الوصف والغزل والخمريات فإننا نقف أمام تجارب شخصية وحية للشاعر، فتلك أغراض تحكي واقع ابن شهيد، فمعانيها وصورها تكشف عن جانب خاص من حياته، في أحوالها، وتكوينها الأخلاقي، والنفسي، وهي من زاوية أخرى تعتبر سجل يعكس اهتمامات الأدب الأندلسي، ومعانيه، وأغراضه.
ذلك التباين في عواطف الشاعر، وفكره، ومتطلباته الشخصية، لا بد وأن يترك أثرًا في نظمه، وفي أسلوبه الشعري خاصة، وصوره البلاغية من حيث البناء