لقد استطاع ابن شهيد الأندلسي أن يسجل لنفسه حضورًا متميزًا في صفوف رواد النثر الفني في الأدب العربي، فرسائله التي حوتها دفتي"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"للشنتريني، تشير إلى ما تتمتع به شخصية هذا الرجل من أهمية أدبية وفنية تعبيرية، وما لها من قدرة إبداعية نثرية ونقدية خاصة، لا تقتصر على عصره بل تتوارثها الأجيال عبر العصور المختلفة، فتتناقل ما تحمله تلك الكتابات النثرية من أسس فنية، وجماليات أسلوبية، وصور خيالية متفردة، ومخترعة أحيانًا.
يقول ابن بسام الشنتريني عن نثره:"إن هزل فسجع الحمام وإن جد فزئير الأسد الضرغام" [1]
ويقول عنه ابن حيان:"كان أبو عامر يبلغ المعنى ولا يطيل سفر الكلام، وإذا تأملته ولسنه، وكيف يجري في البلاغة رسنه، قلت: عبد الحميد في أوانه، والجاحظ في زمانه" [2] .
ويذكره الحميدي، فيقول:"وسائر رسائله، وكتبه نافعة الجد كثيرة الهزل" [3] .
وروي عن أبي النصر بن خاقان يصف قدرته الإبداعية في التناول والعرض الكتابي:"توغل في شعاب البلاغة وطرقها وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عمرو بن بحر، ولا تراه يغرف إلا من بحر" [4] ، ويقصد بعمرو بن بحر الجاحظ صاحب كتابي:"البيان والتبيين""والحيوان".
ويقول الدكتور حازم خضر:"مارس أبو عامر الجانب الثاني من التعبير العربي، فكان له فيها الباع الطويل وآثار لا يستهان بها، دلت على مبلغ ثقافته وسعة اطلاعه في هذا الجانب الأدبي المهم. وقد طرق شتى الموضوعات مظهرًا"
(1) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ج1 ق 1، ص: 192.
(2) المصدر السابق، م1 ق1، ص: 192.
(3) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ص: 133.
(4) مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، ص: 189.