قدرته كما حاول إظهارها في الشعر، ونحسب أنه قد وفق إلى حد كبير في النثر ربما فاق التوفيق الذي حالفه في الشعر" [1] ."
ويقول الدكتور شوقي ضيف:"على أن ما تميز به إنما هو جانب الأدب فقد كان شاعرًا كبيرًا كما كان كاتبًا كبيرًا أيضًا ويدل ما روي عنه من أثار أن نثره كان أكبر من شعره، وقد شهد له النقاد بمقدرته فيه وتفوقه" [2] .
فهذه الآراء وغيرها التي تشيد بقدرة ابن شهيد الأدبية في الأخذ بفنية الكتابة النثرية، تمثل أبلغ الحجج لإثبات براعته الأدبية في الكتابة والسرد، بالقدر التي ظهرت فيه براعته في التناول الشعري والنظم، والتعرض للمسائل النقدية كما نقلها ابن بسام الشنتريني في كتابه"الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة"؛ وهي حجج حرم من الإنصاف بها في حياته الدنيوية، فكثيرًا ما كان يصرح بشعور الألم والحزن من مواقف الحسد والنقمة الكامنة في نفوس معاصريه وبعض أصدقائه لذاته ولفنه، والتي تمثلت في جحودهم لقيمة نتاجه الأدبي والفني، وانتقاصهم لمظاهر التجديد التي سلكها في أسلوب الكتابة الأدبية - شعرية كانت، أم نثرية - في العصر الأندلسي، وهذا غرض نقدي بنى عليه رسالته"التوابع والزوابع".
رسالة"التوابع والزوابع"ودوافعها: -
عندما خطَّ ابن شهيد قصته التي أجرى أحداثها في عالم"الجن والشياطين"كان يحذوه في كتابة فصولها، وتدوين وقائعها الخيالية، شعور نفسي عميق بالحنق والضيق من جهل أبناء عصره بحجم قدراته الأدبية في التعبير، وحسد الناقمين عليه نعمة البيان والفصاحة، فكانت قصته وسيلة يوضح من خلالها ما يدور في خلجات نفسه من رأي فيما حوله من نتاج أدبي، ومتنفس يبدي من خلالها وجهة نظره في أدبه خاصة وأصول النظم الفني ومناهجه في الأدب العربي عامة، ثم هي تجمع بين طياتها هدفًا طالما أقض مضجع فكره ونفسه، وهو السعي لإثبات قدرته الأدبية بانتزاع شهادات نقدية وتقديرية من شياطين الشعراء، والكتاب، والنقاد، لتبرهن
(1) ابن شهيد الأندلسي، حياته وأدبه، ص: 161.
(2) الفن ومذاهبه في النثر العربي، د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، مكتبة الدراسات الأدبية، الطبعة الخامسة، ص: 321.