الصفحة 32 من 232

على مدى تفوقه في البيان، وحسن أسلوبه في التعبير والكلام؛ ومجالًا للتندر بطريقة ساخرة ممن كان مصدرًا للحسد والحقد على ذاته أو على فنه، فكان أول ما تنبه إليه ابن شهيد أن عرضها يجب أن يتناسب وحجم الفكرة التي يتناولها، لذلك أختار"عالم الجن"مسرحًا تدار فيه تلك الوقائع لكونه مما تُشدُ إليه العقول والأفهام لغرابته وطرافته، وأنه مما يثير في النفس مشاعر الخوف والفزع، ويدفع إلى حب الاستطلاع، فتتحقق بذلك أهدافه بشكل أكثر انتشارًا وذيوعًا، وثباتًا على مر العصور، وتنوع الثقافات، فيكون فيه الرد المناسب الذي يسكن من لواعج نفسه ويخفف من شعور النقمة على أنداده، وقد أطلق على رسالته تلك مسمى"التوابع والزوابع"كما تعرف أيضًا بـ"شجرة الفكاهة".

والتابع"الرئي من الجن ... ، والجنية تتبع الإنسان .." [1] ، والزوابع"الدواهي ... ، والزوبعة والزابعة ريح تدور في الأرض لا تقصد وجهًا واحدًا ... تحمل الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود ... أخذت من التراب .. وصبيان الأعراب يكنون الإعصار أبا زوبعة يقال فيها شيطان مارد .. وزوبعة اسم شيطان .. أو رئيس من رؤساء الجن" [2] .

وهي قصة تكشف عن أسباب الإلهام وطرق استحضار شياطين الشعر، كما تحكي أحداث رحلة قام بها ابن شهيد في عالم الجن، التقى فيها بشياطين الشعراء والكتاب والنقاد وسمع منهم وأسمعهم بعضًا من شعره ونثره، وتشتمل أيضًا على طائفة من آرائه النقدية مما حاز به إعجابهم وتقديرهم، وهو في أثناء ذلك الحوار بينه وبين الجن ينتهي دومًا إلى الفوز بإقرار فنيٍ بتفوقه الأدبي وقدرته البيانية على التأليف والسرد، سواء أكان ذلك الإقرار صادرًا عن رغبة منهم وانبهار ببراعته الأدبية، أم عن حسد وامتعاض.

وتبدأ رحلته عندما استغلق عليه البيان وصعب عليه الشعر فتمثل له أثناء ذلك شيطانه وتابعه"زهير بن نمير"، فألهمه إتمام ما بدأه من نظم وما استغلق عليه من بيان، يقول:"فأُرتج عليَّ القولُ وأُفحِمْتُ، فإذا أنا بفارسٍ ببابِ المجلِس"

(1) مادة تبع، لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، الدار المصرية للتأليف.

(2) مادة زبع، لسان العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت