الصفحة 33 من 232

على فَرَسِ أدْهَمَ كما بقَلَ وجهه، قد اتكأ على رُمحِه، وصاح بي: أعَجْزًا يا فتى الإنس؟ قلتُ: لا وأبيك، للكلام أحيان، وهذا شأن الإنسان! قال لي: قلْ بعدَه:

كمثل ملال الفتى للنعيم، ... إذا دام فيه وحال السرور

فأثبت ُّ إجازتَه، وقلتُ له: بأبي أنت! مَنْ أنت؟ قال: أنا زُهَيرُ بن نُمَير من أشجَعِ الجِنِّ. فقلتُ: وما الذي حَداكَ إلى التصَوُّر لي؟ فقال: هوىً فيك، ورغبة ُ في اصطفائك. قلت: أهلًا بكَ أيّها الوجهُ الوَضّاح، صادفتَ قلبًا إليك مقلوبًًا، وهوىً نحوكَ مجنُوبًا" [1] ."

وقد كان ذلك الشيطان الذي أطلق عليه اسم زهير بن نُمير من أشجع الجن هو ظل الكاتب في السياق الذي يقدم الأدباء والنقاد للمعارضة ويعرف بشخصياتهم وقدراتهم وهيئاتهم التي ظهروا بها أو منحها إياهم في إطار رسالته، وتستمر رحلة الكاتب في إثبات النجاح الفني، فيتنقل ما بين الشعراء والكتاب والنقاد، فيبادر أولًا بتوابع الشعراء لما عرف من صعوبة الشعر، وبلاغة مرتاديه، وبراعتهم في القول والحكم الصادق، ويجمع في ذلك العرض بين العصور الأدبية ذات الأثر الأبرز في الأدب العربي من جاهلي، وإسلامي، على التسلسل والتتابع، فيبدأ بفحول الجاهليين كامرئ القيس بن حجر، وطرفة بن العبد، وقيس بن الخطيم، ويعقب برواد التجديد في العصر الإسلامي كأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، ثم يختم بشاعر نال احترام ابن شهيد وتقديره فضلًا عن غيره من الشعراء وهو المتنبي، فيكون بذلك قد أقام الحجج الفنية التي يمتنع معها على أي شخص أن يعارضها أو ينفيها أو ينتقص من قدرته الشعرية على النظم في ضوئها؛ ثم يعرج بعد ذلك على توابع الكتاب؛ فبعد أن بلغ مطلبه من الشعراء وأثبت تفوقه الشعري، انتقل لكتاب النثر ليؤكد براعته في تناول النثر والتعبير به، وهو كما سبق في الشعر يختار من الكتاب من ذاع صيته في الكتابة، وعلا سنامه في التناول النثري خاصة، فقابل صاحب الجاحظ وعبد الحميد، والإفليلي، وبديع الزمان، وأبي إسحاق بن حمام، وفي أثناء ذلك يأتي ببعض من نتاجه الأدبي في الوصف،

(1) رسالة"التوابع والزوابع"ابن شهيد الأندلسي، تحقيق: بطرس البستاني، دار صادر بيروت، لبنان الطبعة الأولى، 1387هـ، 1967م، ص: 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت