الصفحة 34 من 232

وتحبير النثر، غير التي كان يوردها في حديثه مع أولئك الكتاب، ليدعم ما يُصدَرُ من أحكام تجاهه عند القارئ بالأدلة القاطعة والصور المبينة؛ وبعد أن قضى غرضه من الكتاب والشعراء، وأثبت تفوقه الشعري والنثري، أقدم على طرح آرائه النقدية ومناقشتها مع النقاد وشياطينهم، وهو في صميم ذلك التناول يتوجه لمعاصريه بالسخرية والتندر، من أسلوبهم ونتاجهم، ويحتكم في ذلك إلى مواقفهم تجاهه وتجاه ما يقدمه من فن أدبي، وبعد ذلك العرض كان عند أدباء عصره خاتمة المطاف فقد ناقش ما لديهم من نتاج وقدرات بصورة طريفة إذ أجرى حواره عنهم على لسان الحيوانات، وكان معهم يتناقل الأحاديث القديمة عن أدباء العصر الذي كان فيه في عالم الإنس، ويضع ذلك النتاج الأدبي في ميزان حكم الناقد الذاتي.

ويخلص من ذلك كله إلى ما أراد ابن شهيد إثباته وهو التفوق الفني والقدرة الكلامية على التأليف والتعبير بأسلوب مشوق ينال إعجاب الكثير من المبدعين قديمًا وحديثًا.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن هذا الأثر الأدبي الرفيع المستوى في صياغاته وبنائه وخياله، يماثله أثر أدبي آخر نشأ في المشرق العربي، وكان بطله ناثر عربي مشرقي وهو أبو العلاء المعري في"رسالة الغفران"؛ فكلتا الرسالتين تجعل من عالم ما وراء الحس مسرحًا لعرض الآراء والأفكار، وتبرير المواقف النقدية وتعزيزها بالبراهين المنتخبة، إلا أن الفارق بينهما أن ابن شهيد اتخذ خلفية قصته من عالم الجن والشياطين، وأبا العلاء المعري اتخذها من عالم الملائكة وإبليس، وما يصاحب ذلك من جنة ونار

لذلك فقد اختلف النقاد في تاريخ الرسالتين، ولعل ما يمكن أن نرجحه هو رأي الدكتور زكي مبارك في"كتابه النثر الفني في القرن الرابع الهجري"، الذي اعتمد فيه على التحليل والتعليل القاضي بتقدم رسالة ابن شهيد الأندلسي"التوابع والزوابع"على رسالة أبي العلاء المعري"رسالة الغفران"، وأن أبا العلاء قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت