الصفحة 35 من 232

احتذى في رسالته تلك ابن شهيد في رسالته الأنفة الذكر، مع اختلاف الأجواء والحوادث [1] .

الخصائص الفنية لرسالة"التوابع والزوابع": -

احتلت رسالة"التوابع والزوابع"في نتاج الأدب العربي عامة، والأندلسي خاصة، مكانة مرموقة، وقيمة فنية ذات تأثير أدبي، فهي تُذكر كدعامة مهمة في ريادة التعبير النثري في الأدب العربي، وتعد من أبرز ما خط في إبداعية النسج التجديدي في الأدب الأندلسي، فقد استقطبت بموضوعها، وتركيبها الأذهان، وأجمعت حول فنيتها، وإبداعها الأذواق، فمما قيل في الإشادة بها:"إن عمل ابن شهيد قد أصاب الطرافة، وحقق صاحبه الجدة، انطلاقًا من بحثه عن الأساليب، التي تحقق له الظهور على خصمه من الأدباء، وهو في معرض الفخر عليهم، بما أوتي من براعة الفن، وقدرة على التصرف في وجوه البيان، وأي شيء أكثر إعانة له على بلوغ هذا القصد، من أن يحدث صيغة لا عهد للناس بها؟ من هذه الإرادة كانت هذه الصيغة القصصية. والذي قرر قالبها الفني إنما هو حرص الكاتب على أن يصور نفسه في صورة النابغة الذي يتفوق بأدبه على جميع من سبقه أو من عاصره من نوابغ الأدب العربي في المشرق والمغرب، ولما كان الحديث المباشر مملًا، وكثيرًا ما يبعث على القلق والسآمة، إذا طال فيه العرض والإنشاد، فقد اهتدى إلى هذه الطريقة التي تتمثل في رحلة خيالية إلى موطن الجن، حيث يتاح له أن يعقد مجالس أدبية مع شياطين كبار الشعراء والكتّاب، فيناظرهم في شعر ونثر أصحابهم، ويحاورهم في مسائل مختلفة من مسائل النقد الأدبي، ويخرج من كل مجلس وقد قضى حق الانتصار لنفسه: الألسنة تلهج بالثناء على براعته، وهو يجر لذلك ذيول التيه والكبرياء، منتشيًا من مدامة هذا الظفر" [2] .

(1) وقد اشتملت"التوابع والزوابع"على نصِّ يشير إلى أنها كتبت بين عامي"403، 407"أي في زمن المستعين الذي ورد ذكره في الرسالة، ص 123، بينما نجد نصًا في رسالة"الغفران"يدل على أنها كتبت في عام"424". يُنظر تحقيق ذلك بالتفصيل"النثر الفني في القرن الرابع الهجري"د. زكي مبارك، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، الطبعة الأولى، ج1، ص 318، 320، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، تحقيق: د. عائشة عبد الرحمن، الطبعة التاسعة، دار المعارف، 1397هـ، 1977م، ص: 450.

(2) النثر الأدبي في الأندلسي في القرن الخامس"مضامينه وأشكاله"، تأليف علي بن محمد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1990م، ج2، ص: 562.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت