الصفحة 36 من 232

يقول الدكتور الشكعة إنها:"عمل أدبي جليل الأثر لأنها ترجمان لنفسية الكاتب ومجتمع زمانه، وأما أسلوبها فرشيق فكه مصنوع موشى أنيق، فيه سحر ورقة، وفيه شفافية واستهواء، وفيه فكاهة باسمة وسخرية لاذعة" [1] .

ولعل أبرز الخصائص الفنية والجمالية الأدبية التي تتميز بها الرسالة، أنها جمعت بين آفاق الخيال وتفاصيل حدود الحقيقة والواقع، فمسرح أحداثها الذي أجراه في بيئة الجن، وأسماء شخصيات أبطالها من طائفة التوابع والزوابع وأوصاف حيوانها - كأن يجعل حصان تابعه زهير يطير، والإوزة ذات الجسم الكبير والرأس الصغير الناطقة بالنحو، والبغلة الناقدة البليغة- من نسج خيال الكاتب؛ من جانب آخر نجده قد"بنى موضوعها على ما عرف وشاهد من مجالس الأدب والمناظرة في زمانه؛ وقبل زمانه" [2] . وفق ما تقرر من أحكام نقدية في الشعر والنثر، وما يبثه من معارضات شعرية وتاريخية قامت بين شعراء المشرق، ليقف منها موقف متجددًا ووفق وجهة نظر ذاتية، وأحكام نقدية شخصية تبناها والتزم بها في مواقفه من الأخذ والمعارضة، وهو في ذلك يثير في طائفة من أوصافها مشاعر السخرية والاستهزاء، وتظهر روحه الفكاهية في العرض [3] .

إضافة إلى ذلك فهي رسالة تعكس في خلفيتها طبيعة البيئة الأندلسية، الجميلة بما فيها من أزهار فواحة الشذى، وأنهار متلألئة جارية، وسماء صافية نقية، وأشجار باسقة ملتفة، وطيور تصدح في جنبات الدوح بتغريدها، كما في وصفه لدوحة تابع طرفة بن العبد أو أبي نواس، أو رسم لوحة طبيعية لبيئة الإوزة النحوية فكانت"صورة أرض الجن التي تبدو ممرعة خصبة، تشبه بلده الأندلس، وتفترق عن صورتها في قصص شياطين الشعراء في الجاهلية" [4] .

(1) الأدب الأندلسي موضوعاته وفنونه، د: مصطفى الشكعة، دار العلم للملايين، الطبعة السابعة، 1992م، ص: 682.

(2) رسالة التوابع والزوابع، ص: 76.

(3) راجع مفصل تلك القضايا النقدية في ابن شهيد الأندلسي وجهوده في النقد الأدبي، د: عبدالله سالم المعطاني، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية، ص: 115، ودراسات في النقد الأدبي عند العرب في المغرب والأندلس، د: عمر محمد عبد الواحد، دار الأندلس للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1418 هـ، 1998م، فصل ملامح نقدية في كتابات ابن شهيد الأندلسي، ص: 320.

(4) دراسات في النقد الأدبي عند العرب، في المغرب والأندلس، ص: 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت