ومن خصائص رسالة"التوابع والزوابع"أيضًا، أنها تعتبر كتابًا نقديًا متنوع الأغراض والقضايا والمواقف، تطرح فيها نظرة ذاتية لابن شهيد في النقد، كموقفه من النحو مثلًا في أنه أساس في صقل الموهبة الأدبية والفنية، وموقفه من تحديد مصدر الإبداع المتمثل في الطبع والفطرة، والمعارضات الشعرية وما تتضمنه من مفارقات نقدية، وقدرات بيانية وتفصيلات تعبيرية في عرض جمال المعنى، ثم بيان الطريقة المثلى في الأخذ، وميزة الاستحسان الشعري في النظم، وهي قضايا عرض لها بالتفصيل الدكتور عمر عبد الواحد في كتابه دراسات في النقد الأدبي عند العرب تحت عنوان ملامح نقدية في كتابات ابن شهيد الأندلسي [1] ، إضافة إلى ما لها من غرض شخصي ونقدي خاص يتلخص في رغبته في إثبات تفوقه الأدبي، وقدرته البيانية على ضوء الأحكام النقدية الذاتية، والشهادات والحجج الغيرية المساقة على لسان التوابع.
ومن سمات التميز الفني عند ابن شهيد في رسالته تلك ومن"أظهر خصائصه في الوصف أن يتتبع الموصوف بتصوير ميزاته في الأعضاء، والألوان والصوت والحركة والطباع، حتى يجعله محسًا بارز الشخصية لا شبحًا غامضًا ... ويبدو في أوصافه الوضيع رفيعًا، والقبيح جميلًا، وإنما هما رفعة الفن وجماله، أضفاهما على موصوفاته الحقيرة الدميمة، فاكتسبت بهما رواء، وعلت قدرًا ومقامًا" [2] ، كوصف الثعلب والبرغوث، أو أن يبدل في الهيئات والأحوال فيجعل الرفيع قبيحًا والحسن مستهجنًا، ويبلغ بالوصف إلى أبعد غايات السخرية والاستهزاء، وأقصى صور الهجاء والنقد اللاذع كما في وصف الفقيه الشره وحال اندفاعه على أصناف الحلوى، أو في التعريض بعلماء النحو في التكنية عنهم بالإوزة وما جاء منها من جدل مغلوط.
ولغة الرسالة قريبة، وسهلة، خالية من التعقيد المعنوي أو الإغراب اللفظي إلا ما جاء فيها نادرًا، وذلك عندما ساقها الكاتب"في محاولة لإظهار تفوقه على الآخرين وتجاوزه لما بلغوه من قوة البيان وفصاحة اللسان" [3] .
(1) يُنظر المرجع السابق، ص: 320 - 364.
(2) رسالة التوابع والزوابع، ص: 52.
(3) ابن شهيد الأندلسي حياته وأدبه، ص: 196.