الصفحة 38 من 232

وتراكيبها واضحة الدلالة على ما تتضمنه من معانٍ وأوصاف، دقيقة في عرض التفاصيل، وتصوير الأحوال، تتميز بجملها القصيرة والمتتابعة، في عرض الأوصاف المتباينة.

وهيكل البناء الفني للرسالة بصفة عامة، يمثل طابع الكتابة النثرية في الأدب الأندلسي، حيث يظهر فيها"ازدياد ظاهرة المزج بين الشعر والنثر. مما يستدل معه على أن الكُتاب كانوا بشكل عام شعراء، أو أنهم جمعوا بين رياستي الشعر والنثر" [1] .

وهو أسلوب انتهجه ابن شهيد الأندلسي بوضوح في سياق رسالته"التوابع والزوابع"، حيث الأبيات الشعرية تأتي في فصول الرسالة ماعدا توابع الكتاب، فهي تركن إلى الصياغة النثرية في العرض، حيث يتركز الغرض فيها على طلب شهادة التفوق في الكتابة النثرية؛ وفي غير ذلك نجدها في المدخل حيث يستدعي تابعه"زهير بن نمير"بأبيات شعرية أقرب إلى أسلوب الغزل منها إلى مخاطبة الجن؛ وفي توابع الشعراء حيث يعارض بنظمه شعراء الجاهلية، والإسلام قبله وفي عصره؛ وفي فصل نقاد الجن حيث يعرض نتاج السابقين للمقارنة والتفاضل، وإصدار الأحكام النقدية، والحكم بالبراعة، ووضع حدود الأخذ من السرقة، في المعاني الشعرية؛ وفي حيوان الجن حيث يعتمد على نسج أبيات من خياله، يبحث فيها عن سبيل انتقاد النحويين وانتقاصهم، وهجائهم، فيخوله الحكم فيها إلى الرجوع على ابن الإفليلي بالنقد الهازئ الساخر، والذي اختار تابعه من"أنف الناقة".

وأخيرًا فرسالة"التوابع والزوابع"تقترب في نسجها وصياغتها الأسلوبية والمعنوية من أسلوب المقامات في الأدب المشرقي"كالاعتماد على الفكاهة والنكتة، وأسلوب القصص المعتمد على الحوار إلى جانب الصنعة اللفظية وخاصة السجع، مما يؤكد العلاقة بين رسائل أبي عامر هذه وبين المقامات" [2] .

(1) الأدب الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة، د: منجد مصطفى بهجت، وزارة التعليم العالي، والبحث العلمي جامعة الموصل، ص: 173.

(2) ابن شهيد الأندلسي حياته وأدبه، ص: 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت