فالنصوص هنا تحمل تصورين مختلفين لنظرة الشاعر للطبيعة من حوله، فالأولى تمثل وصف الجمال الفطري المطمئن في طبيعة خالية من العواطف والانفعالات، فصفاء السماء، وظهور البدر، وانتشار النجوم ولمعانها، وما فيها من مظاهر إبداع الهي في الفلك، هي في ذلك الحال أشبه بجمال الربى الذي يتوسطها الغدير، وتحفّ بها الضأن والراعي الذي يرعى من حولها، ومن ناحية أخرى في الصورة تكون هيئة النجم منتثرًا في السماء أشبه بهيئة الجواهر القيمة المنتثرة في جمال وتلألؤ أخاذ، أما في الصورة الثانية فقد كانت الطبيعة مسرحًا للرثاء والشكوى خاصة إذا ما امتزجت بعواطفه اليائسة، وانفعالاته الحزينة من حال الفساد الضارب في الزمان وأهله.
وذلك في مجمله إنما يشير إلى تفاوت مستويات تأثير مصدر الطبيعة على نتاج ابن شهيد الأندلسي، مما تبعه تفاوت في مستويات الأداء البلاغي للصورة البيانية في أغراضه الشعرية المختلفة.
نصل من ذلك إلى أن مصدر الحياة الطبيعية بجماداتها وأحيائها لم يكن من المصادر المؤثرة في نفس الشاعر وعواطفه وأفكاره إلا بالقدر الذي يجد فيه نواحي الجمال القرطبي متمثلة له بحقيقتها، أو معبرة عن انفعالات تأثر هو بها وحركت فيه مشاعر ورؤى، كان لها صدى في تشكيل نظرته وإحساسه بالطبيعة من حوله، غير أن صوره فيها أقل الصور قوة في التأثير وإن أتت مليئة بحسن التركيب وجمال الصياغة الخيالية، فما هو فيها إلا كباقي شعراء الأندلس أُعجبوا بطبيعتهم ففخروا بها ووصفوها فتكونت لديهم تجاهها صور جميلة وسهلة وواضحة.