بالوصف والتصوير، مبدعًا في تخيل ملامحها، وتمثل هيئاتها، في شتى ظروفها وأحوالها، فكان وصفه لها يسير وفق منهجية أسلوبية ومعنوية، ذات إطارين في ديوانه فهو وصف مجرد لمظاهر الطبيعة الصامتة من حوله، في صياغة تأملية، وبلاغية بديعة تسهم في إبراز تفاصيل الجمال الفطري، كما في وصف قرطبة، أو في وصف النيروز، ومن جانب آخر يستند وصفه للطبيعة على خلفية انفعالية، إذ تتحد نفس الشاعر بعواطفها، وأفكارها، ومواقفها مع الطبيعة الحية من حوله، لتبين عن شعوره الخاص، وتتفاعل مظاهرها مع انفعالاته، وآرائه، فيكسبها ذلك حياة وصورة مختلفة، تجمع بين عمق العاطفة، وبلاغة التعبير عن المعنى في أبدع صوره وأدق تفاصيل صياغاته، كما في أغراض الفخر والرثاء، وعندئذ يكون وصف الطبيعة وسيلة للتعبير عن العاطفة والتوجه النفسي والفكري، وليست غاية في ذاتها.
وذلك التناول المتنوع في وصف الطبيعة، أدى بلا شك إلى ظهور التباين البياني في مستويات الأداء الفني والبلاغي للصورة الشعرية.
فمن أقواله يصف السماء الصافية [1] : -
ورَعَيْتُ مِن وَجْهِ السَّمَاءِ خَمِيلةً ... خَضْرَاءَ لاحَ البَدْرُ مِن غُدْرانِهَا [2]
وكَأَنَّ نَثْرَ النَّجْمِ ضأَنٌ وسْطَهَا ... وكَأَنَّمَا الجَوْزاءُ راعِي ضأنِهَا
وكَأَنَّمَا فيه الثُريّا جوْهرٌ ... نَثَرتْ فَرائِدهُ يدا دبرانِهَا
ويتوارى ذلك الجمال الحسي للطبيعة، ويضعف الأمل في حال شعوره بالاضطراب النفسي، والحزن البالغ، إذ وجد في الطبيعة الجزء، المصور لعمق ذلك اليأس والألم، يقول [3] : -
كأَنَّ الدُّجَى هَمّيِ ودَمْعِي نُجُومُهُ ... تَحَدَّرَ إِشْفَاقًا لدَهْرِ الأَراذِلِ
هَوَتْ أَنْجُمُ العَلْيَاءِ إِلاَّ أَقلّهَا ... وغِبْنَ بما يَحْظَى به كُلُ عاقِلِ
(1) ديوان ابن شهيد الأندلسي، تحقيق: د. يعقوب زكي، ص: 166.
(2) الخميلة الناعم من الرمال والثياب والريش، وربما أراد هنا الأرض الخضراء، المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية، المركز العربي للثقافة والعلوم، مادة خمل.
(3) ديوان ابن شهيد الأندلسي، ص: 143.