الصفحة 27 من 232

أضعف حيوية في تفعيل عنصر العاطفة المؤثر في السياق، عنها في رثاء قرطبة، كما في قوله يمدح المستعين [1] : -

لَعَلَّ نَسيمَ الرِّيحِ تأتي به الصِّبا ... بنشرِ الخُزامى والكِباءِ المُعَبَّق ِ

كأَنَّ علَيْهَا نَفْحةً عَبْشَمِيَّةً ... أَتَتْ مِن جَنابِ المُسْتَعِينِ المُوَفَّق

فنِلْتَ الَّذِي قد نِلْتَ إذ لَيْسَ للعُلا ... سواكَ كَأَنَّ الدَّهْرَ للنَّاسِ مُنْتَق

فمن هنا، نجد أن عاطفة الشاعر أشد ما تكون انفعالًا وتأثرًا إذا ما نظم في رثاء قرطبة، وتذكر مجدها الغابر، وما حصل لها من خراب الجنان والديار، وموت العلماء والرجال، وأضعف ما تكون إثارة حين يمدح، ليتقرب ويظهر التأييد السياسي، ويسعى وراء السلطة والجاه الاجتماعي كما في مدح المستعين، إذ ذكر اختصاصه بالعلا والمجد، والمبالغة في وصف طيب أخلاقه وكرم خصاله.

ومن ذلك يظهر جليًا أن واقع الحياة السياسية وأحداثها المتقلبة لم يَجْرِ أثرها في نفس الشاعر على وتيرة واحدة، مما كان له أثر بارز في نتاجه الأدبي والشعري منه خاصة، فتباينت لذلك صوره البيانية في أسلوبها التعبيري، وعناصرها الفنية، وفي أغراضه الشعرية المتفرقة متأثرة بحالته النفسية والانفعالية.

وهذا المصدر لا يقل تأثيرًا عند ابن شهيد عن المصدر الشخصي السابق بل لعله يساويه، قيمة وأهمية، فتطلع ابن شهيد للوزارة كان أملًا سعى جاهدًا في تحقيقه، ولم يتوان عنه ما امتد به العمر؛ كما أن حبه لقرطبة جعله لا يقبل لها بديلًا حتى وإن أصابتها الفتن وخربتها الحروب.

3 -الطبيعية بجماداتها وأحيائها: -

إذا"كان للأندلسيين أن يدلوا على المشارقة بشيء فبوصف الطبيعة، والعمران، حيث كان لهم رهف الحس، وبراعة الأداء" [2] ، يدفعهم إلى ذلك إحساسهم بتفوق الطبيعة في بلادهم، ونعيم الحياة في مجتمعهم، وابن شهيد كغيره من شعراء الأندلس أُعجب بطبيعة قرطبة الخلابة وبجمالها الطبيعي، فتوجه إليها

(1) المرجع السابق، ص: 133.

(2) العرب في الأندلس، جورج غريب، دار الثقافة بيروت لبنان، 1491هـ، ص: 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت